الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

173

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمقصود : الأيامى الحرائر ، خصصه قوله بعده وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ . وظاهر وصف العبيد والإماء بالصالحين أن المراد اتصافهم بالصلاح الديني . أي الأتقياء . والمعنى : لا يحملكم تحقق صلاحهم على إهمال إنكاحهم لأنكم آمنون من وقوعهم في الزنى بل عليكم أن تزوجوهم رفقا بهم ودفعا لمشقة العنت عنهم . فيفيد أنهم إن لم يكونوا صالحين كان تزويجهم آكد أمرا . وهذا من دلالة الفحوى فيشمل غير الصالحين غير الأعفّاء والعفائف من المماليك المسلمين ، ويشمل المماليك غير المسلمين . وبهذا التفسير تنقشع الحيرة التي عرضت للمفسرين في التقييد بهذا الوصف . وقيل أريد بالصالحين الصلاح للتزوج بمعنى اللياقة لشؤون الزوج ، أي إذا كانوا مظنة القيام بحقوق الزوجية . وصيغة الأمر في قوله تعالى : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ إلى آخره مجملة تحتمل الوجوب والندب بحسب ما يعرض من حال المأمور بإنكاحهم : فإن كانوا مظنة الوقوع في مضار في الدين أو الدنيا كان إنكاحهم واجبا ، وإن لم يكونوا كذلك فعند مالك وأبي حنيفة إنكاحهم مستحب . وقال الشافعي : لا يندب . وحمل الأمر على الإباحة ، وهو محمل ضعيف في مثل هذا المقام إذ ليس المقام مظنة تردد في إباحة تزويجهم . وجملة : إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ إلخ استئناف بياني لأن عموم الأيامى والعبيد والإماء في صيغة الأمر يثير سؤال الأولياء والموالي أن يكون الراغب في تزوج المرأة الأيم فقيرا فهل يرده الولي ، وأن يكون سيد العبد فقيرا لا يجد ما ينفقه على زوجه ، وكذلك سيد الأمة يخطبها رجل فقير حر أو عبد فجاء هذا لبيان إرادة العموم في الأحوال . ووعد اللّه المتزوج من هؤلاء إن كان فقيرا أن يغنيه اللّه ، وإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حرا وتوسعة المال على مولاه إن كان عبدا فلا عذر للولي ولا للمولى أن يرد خطبته في هذه الأحوال . وإغناء اللّه إياهم توفيق ما يتعاطونه من أسباب الرزق التي اعتادوها مما يرتبط به سعيهم الخاص من مقارنة الأسباب العامة أو الخاصة التي تفيد سعيهم نجاحا وتجارتهم رباحا . والمعنى : أن اللّه تكفل لهم أن يكفيهم مئونة ما يزيده التزوج من نفقاتهم . وصفة اللّه « الواسع » مشتقة من فعل وسع باعتبار أنه وصف مجازي لأن الموصوف بالسعة هو إحسانه . قال حجة الإسلام : والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة ، وتضاف مرة إلى الإحسان وبذل النعم ، وكيفما قدّر وعلى أي شيء