الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

168

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أمّتهن ، أي المؤمنات ، مثل الإضافة في قوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ [ البقرة : 282 ] ، أي من رجال دينكم . ويجوز أن يكون المراد أو النساء . وإنما أضافهن إلى ضمير النسوة اتباعا لبقية المعدود . قال ابن العربي : إن في هذه الآية خمسة وعشرين ضميرا فجاء هذا للاتباع ا ه . أي فتكون الإضافة لغير داع معنوي بل لداع لفظي تقتضيه الفصاحة مثل الضميرين المضاف إليهما في قوله تعالى : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 8 ] أي ألهمها الفجور والتقوى . فإضافتهما إلى الضمير اتباع للضمائر التي من أول السورة : وَالشَّمْسِ وَضُحاها [ الشمس : 1 ] وكذلك قوله فيها : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [ الشمس : 11 ] أي بالطغوى وهي الطغيان فذكر ضمير ثمود مستغنى عنه لكنه جيء به لمحسن المزاوجة « 1 » . ومن هذين الاحتمالين اختلف الفقهاء في جواز نظر النساء المشركات والكتابيات إلى ما يجوز للمرأة المسلمة إظهاره للأجنبي من جسدها . وكلام المفسرين من المالكية وكلام فقهائهم في هذا غير مضبوط . والذي يستخلص من كلامهم قول خليل في « التوضيح » عند قول ابن الحاجب : وعورة الحرة ما عدا الوجه والكفين . ومقتضى كلام سيدي أبي عبد اللّه بن الحاج « 2 » : أما الكافرة فكالأجنبية مع الرجال اتفاقا ا ه . وفي مذهب الشافعي قولان : أحدهما : أن غير المسلمة لا ترى من المرأة المسلمة إلا الوجه والكفين ورجحه البغوي وصاحب « المنهاج » البيضاوي واختاره الفخر في « التفسير » . ونقل مثل هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس ، وعلله ابن عباس بأن غير المسلمة لا تتورع عن أن تصف لزوجها المسلمة . وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن

--> ( 1 ) وقد تقع الإضافة إلى مثل هذا الضمير بدون مزاوجة ، فيكون ذكر الضمير مستغنى عنه ولا داعي إليه فيكون بمنزلة اعتماد في الكلام كما في قول عامر بن جوين الطائي : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها أي ودقت ودقا وأبقلت إبقالا . ومنه قول بعض بني نمير : رمى قلبه البرق الملألئ * رميه فهيّج أسقاما فبات يهيم أنشده الشيخ الجد سيدي محمد الطاهر ابن عاشور في « شرحه » على « البردة » نقلا عن ابن مرزوق في البيت الثاني من أبيات البردة . ( 2 ) هو محمد بن محمد بن الحاج العبدري المالكي الفاسي المتوفى سنة / 737 / ه . له كتاب « المدخل إلى تتمة الأعمال » .