الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

156

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ثانية ببراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من أن تكون له أزواج خبيثات لأن عصمته وكرامته على اللّه يأبى اللّه معها أن تكون أزواجه غير طيبات . فمكانة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كافية في الدلالة على براءة زوجه وطهارة أزواجه كلهن . وهذا من الاستدلال على حال الشيء بحال مقارنه ومماثله . وفي هذا تعريض بالذين اختلقوا الإفك بأن ما أفكوه لا يليق مثله إلا بأزواجهم ، فقوله : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ تعريض بالمنافقين المختلقين للإفك . والابتداء بذكر الْخَبِيثاتُ لأن غرض الكلام الاستدلال على براءة عائشة وبقية أمهات المؤمنين . واللام في قوله : لِلْخَبِيثِينَ لام الاستحقاق . والخبيثات والخبيثون والطيبات والطيبون أوصاف جرت على موصوفات محذوفة يدل عليها السياق . والتقدير في الجميع : الأزواج . وعطف وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ إطناب لمزيد العناية بتقرير هذا الحكم ولتكون الجملة بمنزلة المثل مستقلة بدلالتها على الحكم وليكون الاستدلال على حال القرين بحال مقارنه حاصلا من أي جانب ابتدأه السامع . وذكر وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ إطناب أيضا للدلالة على أن المقارنة دليل على حال القرينين في الخير أيضا . وعطف وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ كعطف وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ . وتقدم الكلام على الخبيث والطيب عند قوله تعالى : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ في سورة الأنفال [ 37 ] وقوله : قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً في سورة آل عمران [ 38 ] وقوله : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ في سورة الأعراف [ 157 ] . وغلب ضمير التذكير في قوله : مُبَرَّؤُنَ وهذه قضية كلية ولذلك حق لها أن تجري مجرى المثل وجعلت في آخر القصة كالتذييل . والمراد بالخبث : خبث الصفات الإنسانية كالفواحش . وكذلك المراد بالطيب : زكاء الصفات الإنسانية من الفضائل المعروفة في البشر فليس الكفر من الخبث ولكنه من متمماته . وكذلك الإيمان من مكملات الطيب فلذلك لم يكن كفر امرأة نوح وامرأة لوط ناقصا لعموم قوله : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ فإن المراد بقوله تعالى : كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما [ التحريم : 10 ] أنهما خانتا زوجيهما بإبطان الكفر . ويدل لذلك مقابلة حالهما بحال امرأة فرعون إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ إلى قوله :