الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

150

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفيه تشبيه وسوسة الشيطان في نفوس الذين جاءوا بالإفك بالمشي . و خُطُواتِ جمع خطوة بضم الخاء . قرأه نافع وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير بسكون الطاء كما هي في المفرد فهو جمع سلامة . وقرأه من عداهم بضم الطاء لأن تحريك العين الساكنة أو الواقعة بعد فاء الاسم المضمومة أو المكسورة جائز كثير . والخطوة - بضم الخاء - : اسم لنقل الماشي إحدى قدميه التي كانت متأخرة عن القدم الأخرى وجعلها متقدمة عليها . وتقدم عند قوله : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ في سورة البقرة [ 168 ] . و ( من ) شرطية ولذلك وقع فعل يَتَّبِعْ مجزوما باتفاق القراء . وجملة : فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ جواب الشرط ، والرابط هو مفعول يَأْمُرُ المحذوف لقصد العموم فإن عمومه يشمل فاعل فعل الشرط فبذلك يحصل الربط بين جملة الشرط وجملة الجواب . وضميرا فَإِنَّهُ يَأْمُرُ عائدان إلى الشيطان . والمعنى : ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفحشاء والمنكر لأن الشيطان يأمر الناس بالفحشاء والمنكر ، أي بفعلهما : فمن يتبع خطوات الشيطان يقع في الفحشاء والمنكر لأنه من أفراد العموم . والفحشاء : كل فعل أو قول قبيح . وقد تقدم عند قوله تعالى : إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ في سورة البقرة [ 169 ] . والمنكر : ما تنكره الشريعة وينكره أهل الخير . وتقدم عند قوله تعالى : وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ في سورة آل عمران [ 104 ] . وقوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الآية ، أي لولا فضله بأن هداكم إلى الخير ورحمته بالمغفرة عند التوبة ما كان أحد من الناس زاكيا لأن فتنة الشيطان فتنة عظيمة لا يكاد يسلم منها الناس لولا إرشاد الدين ، قال تعالى حكاية عن الشيطان قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : 82 ، 83 ] . و زَكى بتخفيف الكاف على المشهور من القراءات . وقد كتب زَكى في المصحف بألف في صورة الياء . وكان شأنه أن يكتب بالألف الخالصة لأنه غير ممال ولا أصله ياء فإنه واوي اللام . ورسم المصحف قد لا يجري على القياس . ولا تعد قراءته بتخفيف الكاف مخالفة لرسم المصحف لأن المخالفة المضعّفة للقراءة هي المخالفة