الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

12

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يحسن أن يتعلق ب فاعِلُونَ لأنه ما من مصدر إلّا ويعبر عن معناه بمادة فعل فيقال للضارب : فاعل الضرب ، وللقاتل : فاعل القتل . وإنما حاول بذلك إقامة تفسير الآية فغلّب جانب الصناعة اللفظية على جانب المعنى وجوّز الوجه الآخر على شرط تقدير مضاف ، وكلا الاعتبارين غير ملتزم . وعقب ذكر الصلاة بذكر الزكاة لكثرة التآخي بينهما في آيات القرآن ، وإنما فصل بينهما هنا بالإعراض عن اللغو للمناسبة التي سمعت آنفا . وهذا من آداب المعاملة مع طبقة أهل الخصاصة وهي ترجع إلى آداب التصرف في المال . والقول في إعادة الموصول وتقديم المعمول كما تقدم آنفا . [ 5 - 7 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 5 إلى 7 ] وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 7 ) الحفظ : الصيانة والإمساك . وحفظ الفرج معلوم ، أي عن الوطء ، والاستثناء في قوله : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ إلخ استثناء من عموم متعلّقات الحفظ التي دلّ عليها حرف عَلى ، أي حافظونها على كل ما يحفظ عليه إلّا المتعلّق الذي هو أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، فضمن حافِظُونَ معنى عدم البذل ، يقال : احفظ علي عنان فرسي كما يقال : أمسك عليّ كما في آية أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [ الأحزاب : 37 ] . والمراد حل الصنفين من بين بقية أصناف النساء . وهذا مجمل تبينه تفاصيل الأحكام في عدد الزوجات وما يحل منهن بمفرده أو الجمع بينه . وتفاصيل الأحوال من حال حل الانتفاع أو حال عدة فذلك كله معلوم للمخاطبين ، وكذلك في الإماء . والتعبير عن الإماء باسم ما الموصولة الغالب استعمالها لغير العاقل جرى على خلاف الغالب وهو استعمال كثير لا يحتاج معه إلى تأويل . وقوله : فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ تصريح بزائد على حكم مفهوم الاستثناء ، لأن الاستثناء لم يدل على أكثر من كون عدم الحفظ على الأزواج والمملوكات لا يمنع الفلاح فأريد زيادة بيان أنه أيضا لا يوجب اللوم الشرعي ، فيدل هذا بالمفهوم على أن عدم الحفظ على من سواهن يوجب اللوم الشرعي ليحذره المؤمنون . والفاء في قوله : فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ تفريع للتصريح على مفهوم الاستثناء الذي هو