الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

103

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ * [ الصافات : 27 ] فقال ابن عباس : أما قوله فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ فهو في النفخة الأولى فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ا ه . يريد اختلاف الزمان وهو قريب مما قلناه . وذكر من ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ في هذه الآية إدماج للتنويه بالمؤمنين وتهديد المشركين لأن المشركين لا يجدون في موازين الأعمال الصالحة شيئا ، قال تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] . وتقدم الكلام على نظير قوله فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ في أول سورة الأعراف [ 8 ] . والخسارة : نقصان مال التجارة وتقدم في قوله تعالى : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ * في سورة الأنعام [ 12 ] ، وقوله فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ * في أول الأعراف [ 9 ] . وهي هنا تمثيل لحال خيبتهم فيما كانوا يأملونه من شفاعة أصنامهم وأن لهم النجاة في الآخرة أو من أنهم غير صائرين إلى البعث ، فكذبوا بما جاء به الإسلام وحسبوا أنهم قد أعدوا لأنفسهم الخير فوجدوا ضده فكانت نفوسهم مخسورة كأنها تلفت منهم . ولذلك نصب أَنْفُسَهُمْ على المفعول ب خَسِرُوا . واسما الإشارة لزيادة تمييز الفريقين بصفاتهم . وجملة تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ في موضع الحال من الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ . ومعنى تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ تحرق . واللفح : شدة إصابة النار . والكالح : الذي به الكلوح وهو تقلص الشفتين وظهور الأسنان من أثر تقطب أعصاب الوجه عند شدة الألم . [ 105 - 107 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 105 إلى 107 ] أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 ) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) جملة أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ مقول قول محذوف ، أي يقال لهم يومئذ . وهذا تعرض لبعض ما يجري يومئذ . والآيات : آيات القرآن بقرينة قوله تُتْلى عَلَيْكُمْ وقوله فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ حملا على ظاهر اللفظ . والتلاوة : القراءة . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ في البقرة [ 102 ] ، وقوله : إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً في سورة