الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

101

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » وكما في قولهم : كلمة الشهادة وكلمة الإسلام . وتقدم قوله تعالى وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ في سورة براءة [ 74 ] . والوراء هنا مستعار للشيء الذي يصيب المرء لا محالة ويناله وهو لا يظنه يصيبه . شبه ذلك بالذي يريد اللحاق بالسائر فهو لاحقه ، وهذا كقوله تعالى وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ [ البروج : 20 ] وقوله و مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [ الجاثية : 10 ] وقوله مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ [ إبراهيم : 17 ] . وتقدم قوله : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ الكهف : 79 ] . وقال لبيد : أليس ورائي أن تراخت منيتي * لزوم العصا تحنى عليها الأصابع والبرزخ : الحاجز بين مكانين . قيل : المراد به في هذه الآية القبر ، وقيل : هو بقاء مدة الدنيا ، وقيل : هو عالم بين الدنيا والآخرة تستقر فيه الأرواح فتكاشف على مقرها المستقبل ، وإلى هذا مال الصوفية . وقال السيد في « التعريفات » : البرزخ العالم المشهود بين عالم المعاني المجردة وعالم الأجسام المادية ، أعني الدنيا والآخرة ويعبر به عن عالم المثال ا ه ، أي عند الفلاسفة القدماء . ومعنى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أنهم غير راجعين إلى الحياة إلى يوم البعث . فهي إقناط لهم لأنهم يعلمون أن يوم البعث الذي وعدوه لا رجوع بعده إلى الدنيا فالذي قال لهم إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ هو الذي أعلمهم بما هو البعث . [ 101 - 104 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 101 إلى 104 ] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 ) تفريع على قوله إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ المؤمنون : 100 ] فإن زمن النفخ في الصور هو يوم البعث فالتقدير : فإذا جاء يوم يبعثون ، ولكن عدل عن ذلك إلى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ تصوير لحالة يوم البعث .