الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

96

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حالا مرادا بها التشبيه ، أي خرج كالمغاضب . وسيأتي تفصيل هذا المعنى في سورة الصافات . وقوله تعالى : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يقتضي أنه خرج خروجا غير مأذون له فيه من اللّه . ظن أنه إذا ابتعد عن المدينة المرسل هو إليها يرسل اللّه غيره إليهم . وقد روي عن ابن عباس أن ( حزقيال ) ملك إسرائيل كان في زمنه خمسة أنبياء منهم يونس ، فاختاره الملك ليذهب إلى أهل ( نينوى ) لدعوتهم فأبى وقال : هاهنا أنبياء غيري وخرج مغاضبا للملك . وهذا بعيد من القرآن في آيات أخرى ومن كتب بني إسرائيل . ومحلّ العبرة من الآية لا يتوقف على تعيين القصة . ومعنى فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قيل نقدر مضارع قدر عليه أمرا بمعنى ضيّق كقوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ الرعد : 26 ] وقوله تعالى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [ الطلاق : 7 ] ، أي ظن أن لن نضيّق عليه تحتيم الإقامة مع القوم الذين أرسل إليهم أو تحتيم قيامه بتبليغ الرسالة ، وأنه إذا خرج من ذلك المكان سقط تعلق تكليف التبليغ عنه اجتهادا منه ، فعوتب بما حلّ به إذ كان عليه أن يستعلم ربه عما يريد فعله . وفي « الكشاف » : أن ابن عباس دخل على معاوية فقال له معاوية : « لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك . قال : وما هي ؟ فقرأ معاوية هذه الآية وقال : أو يظن نبيء اللّه أن اللّه لا يقدر عليه ؟ قال ابن عباس : هذا من القدر لا من القدرة » . يعني التضييق عليه . وقيل نَقْدِرَ هنا بمعنى نحكم مأخوذ من القدرة ، أي ظن أن لن نؤاخذه بخروجه من بين قومه دون إذن . ونقل هذا عن مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وهو رواية عن ابن عباس واختاره الفرّاء والزجاج . وعلى هذا يكون يونس اجتهد وأخطأ . وعلى هذا الوجه فالتفريع تفريع خطور هذا الظن في نفسه بعد أن كان الخروج منه بادرة بدافع الغضب عن غير تأمل في لوازمه وعواقبه ، قالوا : وكان في طبعه ضيق الصدر . وقيل معنى الكلام على الاستفهام حذفت همزته . والتقدير : أفظن أن لن نقدر عليه ؟ ونسب إلى سليمان بن المعتمر أو أبي المعتمر . قال منذر بن سعيد في « تفسيره » : وقد قرئ به . وعندي فيه تأويلان آخران وهما : أنه ظن وهو في جوف الحوت أن اللّه غير مخلصه