الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

9

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لغوا ، وعن ابن مالك أنه مثّل لانتهاء الغاية بقولهم : « تقربت منك » . وجملة وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ حال من الناس ، أي اقترب منهم الحساب في حال غفلتهم وإعراضهم . والمراد بالناس المشركون لأنهم المقصود بهذا الكلام كما يدل عليه ما بعده . والغفلة : الذهول عن الشيء وعن طرق علمه ، وقد تقدمت عند قوله تعالى : وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ في سورة [ الأنعام : 156 ] ، وقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ في [ سورة الأعراف : 146 ] . والإعراض : صرف العقل عن الاشتغال بالشيء . وتقدم في قوله : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ في سورة [ النساء : 63 ] ، وقوله : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ في سورة [ الأنعام : 68 ] . ودلت ( في ) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم ، أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها ، ذلك أن غفلتهم عن يوم الحساب متأصلة فيهم بسبب سابق كفرهم . والمعنى : أنهم غافلون عن الحساب وعن اقترابه . وإعراضهم هو إبايتهم التأمل في آيات القرآن التي تذكرهم بالبعث وتستدل لهم عليه ، فمتعلق الإعراض غير متعلق الغفلة لأن المعرض عن الشيء لا يعد غافلا عنه ، أي أنهم لما جاءتهم دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الإيمان وإنذارهم بيوم القيامة استمروا على غفلتهم عن الحساب بسبب إعراضهم عن دلائل التذكير به . فكانت الغفلة عن الحساب منهم غير مقلوعة من نفوسهم بسبب تعطيلهم ما شأنه أن يقلع الغفلة عنهم بإعراضهم عن الدلائل المثبتة للبعث . [ 2 ، 3 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 2 إلى 3 ] ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 3 ) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ . جملة مبينة لجملة وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [ الأنبياء : 1 ] لبيان تمكن الغفلة منهم وإعراضهم ، بأنهم إذا سمعوا في القرآن تذكيرا لهم بالنظر والاستدلال اشتغلوا عنه باللعب