الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
88
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قبل النبوءة راعيا . فلعل هذا التسخير كان أيام سياحته في جبل برية ( زيف ) الذي به كهف كان يأوي إليه داود مع أصحابه الملتفّين حوله في تلك السياحة أيام خروجه فارا من الملك شاول ( طالوت ) حين تنكر له شاول بوشاية بعض حساد داود ، كما حكي في الإصحاحين 23 - 24 من سفر صمويل الأول . وهذا سرّ التعبير ب ( مع ) متعلقة بفعل سَخَّرْنا هنا . وفي آية سورة ص إشارة إلى أنه تسخير متابعة لا تسخير خدمة بخلاف قوله الآتي وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ [ الأنبياء : 81 ] إذ عدي فعل التسخير الذي نابت عنه واو العطف بلام الملك . وكذلك جاء لفظ ( مع ) في آية [ سورة سبأ : 10 ] يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ . وفي هذا التسخير للجبال والطير مع كونه معجزة له كرامة وعناية من اللّه به إذ آنسه بتلك الأصوات في وحدته في الجبال وبعده عن أهله وبلده . وجملة وَكُنَّا فاعِلِينَ معترضة بين الإخبار عما أوتيه داود . وفاعل هنا بمعنى قادر ، لإزالة استبعاد تسبيح الجبال والطير معه . وفي اجتلاب فعل الكون إشارة إلى أن ذلك شأن ثابت للّه من قبل ، أي وكنا قادرين على ذلك . [ 80 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 80 ] وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 ) وامتن اللّه بصنعة علّمها داود فانتفع بها الناس وهي صنعة الدروع ، أي دروع السرد . قيل كانت الدروع من قبل داود ذات حراشف من الحديد ، فكانت تثقل على الكماة إذا لبسوها فألهم اللّه داود صنع دروع الحلق الدقيقة فهي أخف محملا وأحسن وقاية . وفي الإصحاح السابع عشر من سفر صمويل الأول أن جالوت الفلسطيني خرج لمبارزة داود لابسا درعا حرشفيا ، فكانت الدروع الحرشفية مستعملة في وقت شباب داود فاستعمل العرب دروع السرد . واشتهر عند العرب ، ولقد أجاد كعب بن زهير وصفها بقوله : شمّ العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق * كأنها حلق القفعاء مجدول « 1 »
--> ( 1 ) القفعاء : بقاف ففاء فعين : بزرة صحراء نبت ينبسط على وجه الأرض يشبه حلق الدروع .