الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
77
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 68 ، 69 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 68 إلى 69 ] قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) لما غلبهم بالحجة القاهرة لم يجدوا مخلصا إلا بإهلاكه . وكذلك المبطل إذا قرعت باطله حجة فساده غضب على المحقّ ، ولم يبق له مفزع إلا مناصبته والتشفّي منه ، كما فعل المشركون من قريش مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين عجزوا عن المعارضة . واختار قوم إبراهيم أن يكون إهلاكه بالإحراق لأن النار أهول ما يعاقب به وأفظعه . والتحريق : مبالغة في الحرق ، أي حرقا متلفا . وأسند قول الأمر بإحراقه إلى جميعهم لأنهم قبلوا هذا القول وسألوا ملكهم ، وهو ( النمروذ ) ، إحراق إبراهيم فأمر بإحراقه لأن العقاب بإتلاف النفوس لا يملكه إلا ولاة أمور الأقوام . قيل الذي أشار بالرأي بإحراق إبراهيم رجل من القوم كردي اسمه ( هينون ) ، واستحسن القوم ذلك ، والذي أمر بالإحراق ( نمروذ ) ، فالأمر في قولهم حَرِّقُوهُ مستعمل في المشاورة . ويظهر أن هذا القول كان مؤامرة سرية بينهم دون حضرة إبراهيم ، وأنهم دبّروه ليبغتوه به خشية هروبه لقوله تعالى : وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً [ الأنبياء : 70 ] . ونمروذ هذا يقولون : إنه ابن ( كوش ) بن حام بن نوح ، ولا يصح ذلك لبعد ما بين زمن إبراهيم وزمن ( كوش ) . فالصواب أن ( نمروذ ) من نسل ( كوش ) . ويحتمل أن تكون كلمة ( نمروذ ) لقبا لملك ( الكلدان ) وليست علما . والمقدر في التاريخ أن ملك مدينة ( أور ) في زمن إبراهيم هو ( ألغى بن أورخ ) وهو الذي تقدم ذكره عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ في [ سورة البقرة : 258 ] . ونصر الآلهة بإتلاف عدوّها . ومعنى إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ إن كنتم فاعلين النصر ، وهذا تحريض وتلهيب لحميتهم . وجملة قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ مفصولة عن التي قبلها إما لأنها وقعت كالجواب عن قولهم حَرِّقُوهُ فأشبهت جمل المحاورة ، وإما لأنها استئناف عن سؤال ينشأ عن قصة التآمر على الإحراق . وبذلك يتعين تقدير جملة أخرى ، أي فألقوه في النار قلنا : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . وقد أظهر اللّه ذلك معجزة لإبراهيم