الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
74
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالإبطال ويوقنهم بأنه الذي حطم الأصنام وأنها لو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها ولو كان كبيرهم كبير الآلهة لدفع عن حاشيته وحرفائه ، ولذلك قال فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ تهكّما بهم وتعريضا بأن ما لا ينطق ولا يعرب عن نفسه غير أهل للآلهية . وشمل ضمير فَسْئَلُوهُمْ جميع الأصنام ما تحطم منها وما بقي قائما . والقوم وإن علموا أن الأصنام لم تكن تتكلم من قبل إلا أن إبراهيم أراد أن يقنعهم بأن حدثا عظيما مثل هذا يوجب أن ينطقوا بتعيين من فعله بهم . وهذا نظير استدلال علماء الكلام على دلالة المعجزة على صدق الرسول بأن اللّه لا يخرق عادة لتصديق الكاذب ، فخلقه خارق العادة عند تحدّي الرسول دليل على أن اللّه أراد تصديقه . وأما ما روي في « الصحيح » عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منه في ذات اللّه - عزّ وجل - قوله إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا . وبينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فقيل له : إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فقال : من هذه ؟ قال : أختي . فأتى سارة فقال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وأن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني . . . » وساق الحديث . فمعناه أنه كذب في جوابه عن قول قومه : أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا حيث قال : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ، لأن ( بل ) إذا جاء بعد استفهام أفاد إبطال المستفهم عنه . فقولهم : أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا سؤال عن كونه محطم الأصنام ، فلما قال : بَلْ فقد نفى ذلك عن نفسه ، وهو نفي مخالف للواقع ولاعتقاده فهو كذب . غير أن الكذب مذموم ومنهي عنه ويرخص فيه للضرورة مثل ما قاله إبراهيم ، فهذا الإضراب كان تمهيدا للحجة على نية أن يتضح لهم الحق بآخره . ولذلك قال : أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ الآية . أما الإخبار بقوله فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فليس كذبا وإن كان مخالفا للواقع ولاعتقاد المتكلم لأن الكلام والأخبار إنما تستقر بأواخرها وما يعقبها ، كالكلام المعقب بشرط أو استثناء ، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم للأصنام مهّد لذلك كلاما هو جار على الفرض والتقدير فكأنه قال : لو كان هذا إلها لما رضي بالاعتداء على شركائه ، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم تعين أن يكون هو الفاعل لذلك ، ثم ارتقى في الاستدلال بأن سلب الإلهية عن جميعهم بقوله إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ كما تقدم . فالمراد من الحديث