الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

64

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة وَكَفى بِنا حاسِبِينَ عطف على جملة وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ومفعول كَفى محذوف دل عليه قوله تعالى : فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً . والتقدير : وكفى الناس نحن في حال حسابهم . ومعنى كفاهم نحن حاسبين أنهم لا يتطلعون إلى حاسب آخر يعدل مثلنا . وهذا تأمين للناس من أن يجازى أحد منهم بما لا يستحقه . وفي ذلك تحذير من العذاب وترغيب في الثواب . وضمير الجمع في قوله تعالى حاسِبِينَ مراعى فيه ضمير العظمة من قوله تعالى بِنا ، والباء مزيدة للتوكيد ، وأصل التركيب : كفينا الناس ، وهذه الباء تدخل بعد فعل ( كفى ) غالبا فتدخل على فاعله في الأكثر كما هنا وقوله تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً في [ سورة النساء : 79 ] . وتدخل على مفعوله كما في الحديث : « كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكل ما سمع » . وانتصب حاسِبِينَ على الحال أو التمييز لنسبة كَفى . وتقدمت نظائر هذا التركيب غير مرّة منها في قوله تعالى وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً في [ سورة النساء : 79 ] . [ 48 - 50 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 48 إلى 50 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 ) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 ) عطف على جملة بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ إلى قوله تعالى : فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 5 ] لإقامة الحجة على المشركين بالدلائل العقلية والإقناعية والزجرية ، ثم بدلائل شواهد التاريخ وأحوال الأمم السابقة الشاهدة بتنظير ما أوتيه النبي صلى اللّه عليه وسلم بما أوتيه سلفه من الرسل والأنبياء ، وأنه ما كان بدعا من الرسل في دعوته إلى التوحيد تلك الدعوة التي كذبه المشركون لأجلها مع ما تخلل ذلك من ذكر عناد الأقوام ، وثبات الأقدام ، والتأييد من الملك العلّام ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه بأن تلك سنة الرسل السابقين كما قال تعالى : سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا في سورة [ الإسراء : 77 ] . فجاء في هذه الآيات بأخبار من أحوال الرسل المتقدمين . وفي سوق أخبار هؤلاء الرسل والأنبياء تفصيل أيضا لما بنيت عليه السورة من قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا يوحى إليهم [ الأنبياء : 7 ] الآيات ، ثم قوله تعالى :