الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

56

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإما مضارع أصحبه المهموز بمعنى حفظه ومنعه ، أي من السوء . والإشارة ب هؤُلاءِ لحاضرين في الأذهان وهم كفار قريش . وقد استقريت أن القرآن إذا ذكرت فيه هذه الإشارة دون وجود مشار إليه في الكلام فهو يعني بها كفار قريش . أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ تقريع على إحالتهم نصر المسلمين وعدّهم تأخير الوعد به دليلا على تكذيب وقوعه حتى قالوا : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الأنبياء : 38 ] تهكما وتكذيبا . فلما أنذرهم بما سيحل بهم في قوله تعالى : لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ إلى قوله تعالى : ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الأنبياء : 39 - 41 ] فرّع على ذلك كله استفهاما تعجيبيا من عدم اهتدائهم إلى أمارات اقتران الوعد بالموعود استدلالا على قربه بحصول أماراته . والرؤية علمية ، وسدت الجملة مسدّ المفعولين لأنها في تأويل مصدر ، أي أعجبوا من عدم اهتدائهم إلى نقصان أرضهم من أطرافها ، وأن ذلك من صنع اللّه تعالى بتوجه عناية خاصة ، لكونه غير جار على مقتضى الغالب المعتاد ، فمن تأمّل علم أنه من عجيب صنع اللّه تعالى ، وكفى بذلك دليلا على تصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعلى صدق ما وعدهم به وعناية ربه به كما دلّ عليه فعل نَأْتِي . فالإتيان تمثيل بحال الغازي الذي يسعى إلى أرض قوم فيقتل ويأسر كما تقدم في قوله تعالى : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] . والتعريف في الْأَرْضَ تعريف العهد ، أي أرض العرب كما في قوله تعالى في [ سورة يوسف : 80 ] فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أي أرض مصر . والنقصان : تقليل كمية شيء . والأطراف : جمع طرف - بفتح الطاء والراء - . وهو ما ينتهي به الجسم من جهة من جهاته ، وضده الوسط . والمراد بنقصان الأرض : نقصان من عليها من الناس لا نقصان مساحتها لأن هذه السورة مكية فلم يكن ساعتئذ شيء من أرض المشركين في حوزة المسلمين ، والقرينة