الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

42

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق إذ لا مانع من اعتبار معنى عام يجمعها جميعا ، فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعم كل الناس وكل عبرة خاصة بأهل النظر والعلم فتكون من معجزات القرآن العلمية التي أشرنا إليها في مقدمات هذا التفسير . وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار وفيه عبرة للناس في أكثر أحواله . وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات . وهي تكوين التناسل وتكوين جميع الحيوان فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ملابسا لها فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة ، ولذلك كان استمرار الحمى مفضيا إلى الهزال ثم إلى الموت . وجعل هنا بمعنى خلق ، متعدية إلى مفعول واحد لأنها غير مراد منها التحول من حال إلى حال . و مِنَ الْماءِ متعلق ب جَعَلْنا . و ( من ) ابتدائية . وفرع عليه أَ فَلا يُؤْمِنُونَ إنكارا عليهم عدم إيمانهم الإيمان الذي دعاهم إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو الإيمان بوحدانية اللّه . [ 31 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 31 ] وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) هذا من آثار فتق الأرض في حد ذاتها إذ أخرج اللّه منها الجبال وذلك فتق تكوين ، وجعل فيها الطّرق ، أي الأرضين السهلة التي يتمكن الإنسان من المشي فيها عكس الجبال . والرواسي : الجبال ، لأنها رست في الأرض ، أي رسخت فيها . والميد : الاضطراب . وقد تقدم في أول سورة النحل . وتقدم في أول سورة النحل أن معنى أَنْ تَمِيدَ أن لا تميد ، أو لكراهة أن تميد . والمعنى : وجعلنا في الأرض فجاجا . ولما كان فِجاجاً معناه واسعة كان في المعنى وصفا للسبيل ، فلما قدم على موصوفه انتصب على الحال . والمقصود إتمام المنة بتسخير سطح الأرض ليسلكوا منها طرقا واسعة ولو شاء لجعل مسالك ضيقة بين الجبال كأنها الأودية .