الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

34

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 23 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 23 ] لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 ) الأظهر أن هذه الجملة حال مكملة لمدلول قوله تعالى : لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 19 - 20 ] كما تقدم عند قوله تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ [ الأنبياء : 21 ] إلخ . . فالمعنى أن من عنده وهم المقربون من المخلوقات هم مع قربهم يسألون عما يفعلون ولا يسألونه عما يفعل ، أي لم يبلغ بهم قربهم إلى حدّ الإدلال عليه وانتصابهم لتعقب أفعاله . فلما كان الضمير المرفوع بالنيابة عن الفاعل مشعرا بفاعل حذف لقصد التعميم ، أي لا يسأل سائل اللّه تعالى عما يفعل . وكان ممن يشملهم الفاعل المحذوف هم من عنده من المقربين ، صحّ كون هذه الجملة حالا من مَنْ عِنْدَهُ [ الأنبياء : 19 ] ، على أن جملة لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ تمهيد لجملة وَهُمْ يُسْئَلُونَ . على أن تقديمه على جملة وَهُمْ يُسْئَلُونَ اقتضته مناسبة الحديث عن تنزيهه تعالى على الشركاء فكان انتقالا بديعا بالرجوع إلى بقية أحوال المقربين . فالمقصود أن من عنده مع قربهم ورفعة شأنهم يحاسبهم اللّه على أعمالهم فهم يخافون التقصير فيما كلفوا به من الأعمال ولذلك كانوا لا يستحسرون ولا يفترون . وبهذا تعلم أن ليس ضمير وَهُمْ يُسْئَلُونَ براجع إلى ما رجع إليه ضمير يَصِفُونَ [ الأنبياء : 22 ] لأن أولئك لا جدوى للإخبار بأنهم يسألون إذ لا يتردد في العلم بذلك أحد ، ولا براجع إلى آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ [ الأنبياء : 21 ] لعدم صحة سؤالهم ، وذلك هو ما دعانا إلى اعتبار جملة لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ حالا من مَنْ عِنْدَهُ [ الأنبياء : 19 ] . والسؤال هنا بمعنى المحاسبة ، وطلب بيان سبب الفعل ، وإبداء المعذرة عن فعل بعض ما يفعل ، وتخلّص من ملام أو عتاب على ما يفعل . وهو مثل السؤال في الحديث « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » . فكونهم يسألون كناية عن العبودية لأن العبد بمظنة المؤاخذة على ما يفعل وما لا يفعل وبمظنة التعرض للخطإ في بعض ما يفعل . وليس المقصود هنا نفي سؤال الاستشارة أو تطلب العلم كما في قوله تعالى قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في [ البقرة : 30 ] ، ولا سؤال الدعاء ، ولا سؤال الاستفادة والاستنباط مثل أسئلة المتفقهين أو المتكلمين عن الحكم المبثوثة في الأحكام الشرعية أو في النظم الكونية لأن ذلك استنباط وتتبع وليس مباشرة بسؤال اللّه تعالى ، ولا لتطلب