الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
32
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويرد على الاستدلال بهاته الطريقة أمور : أحدها أنه لا يلزم تساوي الإلهين في القدرة بل يجوز عقلا أن يكون أحدهما أقوى قدرة من الآخر ، وأجيب عنه بأن العجز مطلقا مناف للألوهية بداهة . قاله عبد الحكيم في « حاشية البيضاوي » . الأمر الثاني : يجوز أن يتفق الإلهان على أن لا يريد أحدهما إلا الأمر الذي لم يرده الآخر فلا يلزم عجز من لم يفعل . الأمر الثالث : يجوز أن يتفق الإلهان على إيجاد الأمر المراد بالاشتراك لا بالاستقلال . الأمر الرابع : يجوز تفويض أحدهما للآخر أن يفعل فلا يلزم عجز المفوّض لأن عدم إيجاد المقدور لمانع أراده القادر لا يسمّى عجزا ، لا سيما وقد حصل مراده ، وإن لم يفعله بنفسه . والجواب عن هذه الثلاثة الأخيرة أنّ في جميعها نقصا في الألوهية لأن الألوهية من شأنها الكمال في كل حال . إلا أن هذا الجواب لا يخرج البرهان عن حد الإقناع . الطريقة الثانية : عول عليها التفتازانيّ في « شرح العقائد النسفية » وهي أنّ تعدد الإلهين يستلزم إمكان حصول التمانع بينهما ، أي أن يمنع أحدهما ما يريده الآخر ، لأن المتعددين يجوز عليهم الاختلاف في الإرادة . وإذا كان هذا الإمكان لازما للتعدد فإن حصل التمانع بينهما إذ تعلقت إرادة أحدهما بوجود شخص معين وتعلقت إرادة الآخر بعدم وجوده ، فلا يصح أن يحصل المرادان معا للزوم اجتماع النقيضين ، وإن حصل أحد المرادين لزم عجز صاحب المراد الذي لم يحصل ، والعجز يستلزم الحدوث وهو محال ، فاجتماع النقيضين أو حدوث الإله لازم لازم لازم للتعدد وهو محال ، ولازم اللازم لازم فيكون الملزوم الأول محالا ، قال التفتازانيّ : وبه تندفع الإيرادات الواردة على برهان التمانع . وأقول يرد على هذه الطريقة أن إمكان التمانع لا يوجب نهوض الدليل ، لأن هذا الإمكان يستحيل وقوعه باستحالة حدوث الاختلاف بين الإلهين بناء على أنّ اختلاف الإرادة إنما يجيء من تفاوت العلم في الانكشاف به ، ولذلك يقل الاختلاف بين الحكماء . والإلهان نفرضهما مستويين في العلم والحكمة فعلمهما وحكمتهما يقتضيان