الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
27
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لأجله ، وهو تخلص إلى إبطال الشرك بالحجة الدامغة بعد الإفاضة في إثبات صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم وحجية القرآن . فاللام في وَلَهُ للملك ، والمجرور باللام خبر مقدم . و مَنْ فِي السَّماواتِ مبتدأ ، وتقديم المجرور للاختصاص ، أي له من في السماوات والأرض لا لغيره وهو قصر إفراد ردا على المشركين الذين جعلوا للّه شركاء في الإلهية . و مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعم العقلاء وغيرهم وغلّب اسم الموصول الغالب في العقلاء لأنهم المقصود الأول . وقوله تعالى وَمَنْ عِنْدَهُ يجوز أن يكون معطوفا على مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيكون من عطف الخاص على العام للاهتمام به . ووجه الاهتمام ظاهر وتكون جملة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ حالا من المعطوف عليه . ويجوز أن يكون مَنْ عِنْدَهُ مبتدأ وجملة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ خبرا . وما صدق ( من ) جماعة كما دل عليه قوله تعالى لا يَسْتَكْبِرُونَ بصيغة الجمع . وَمَنْ عِنْدَهُ هم المقربون في العوالم المفضلة وهم الملائكة . وعلى كلا الوجهين في موقع جملة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يكون المقصود منها التعريض بالذين يستكبرون عن عبادة اللّه ويعبدون الأصنام وهم المشركون . والاستحسار : مصدر كالحسور وهو التعب ، فالسين والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالاستكبار والاستنكار والاستيخار ، أي لا يصدر منهم الاستحسار الذي هو التعب الشديد الذي يقتضيه عملهم العظيم ، أي لا يقع منهم ما لو قام بعملهم غيرهم لاستحسر ثقل ذلك العمل ، فعبر بالاستحسار هنا الذي هو الحسور القوي لأنه المناسب للعمل الشديد ، ونفيه من قبيل نفي المقيد بقيد خرج مخرج الغالب في أمثاله . فلا يفهم من نفي الحسور القوي أنهم قد يحسرون حسورا ضعيفا . وهذا المعنى قد يعبر عنه أهل المعاني بأن المبالغة في النفي لا في المنفي . وجملة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بيان لجملة وَلا يَسْتَحْسِرُونَ لأن من لا يتعب من عمل لا يتركه فهو يواظب عليه ولا يعيا منه . والليل والنهار : ظرفان . والأصل في الظرف أن يستوعبه الواقع فيه ، أي يسبحون