الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
15
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 7 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 7 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 7 ) عطف جواب على جواب . والمقصود من هذا إبطال مقصودهم من قولهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الأنبياء : 3 ] إذا أرادوا أنه ليس بأهل للامتياز عنهم بالرسالة عن اللّه تعالى ، فبيّن خطأهم في استدلالهم بأن الرسل الأولين الذين اعترفوا برسالتهم ما كانوا إلا بشرا وأن الرسالة ليست إلا وحيا من اللّه لمن اختاره من البشر . وقوله إِلَّا رِجالًا يقتضي أن ليس في النساء رسلا وهذا مجمع عليه . وإنما الخلاف في نبوءة النساء مثل مريم أخت موسى ومريم أم عيسى . ثم عرّض بجهلهم وفضح خطأهم فأمرهم أن يسألوا أهل الذكر ، أي العلم بالكتب والشرائع السالفة من الأحبار والرهبان . وجملة فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إلخ معترضة بين الجمل المتعاطفة . وتوجيه الخطاب لهم بعد كون الكلام جرى على أسلوب الغيبة التفات ، ونكتته أن الكلام لما كان في بيان الحقائق الواقعة أعرض عنهم في تقريره وجعل من الكلام الموجه إلى كل سامع وجعلوا فيه معبّرا عنهم بضمائر الغيبة ، ولما أريد تجهيلهم وإلجاؤهم إلى الحجة عليهم غيّر الكلام إلى الخطاب تسجيلا عليهم وتقريعا لهم بتجهيلهم . [ 8 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 8 ] وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ( 8 ) الجسد : الجسم الذي لا حياة فيه ، وهو يرادف الجثة . هذا قول المحققين من أئمة اللغة مثل أبي إسحاق الزجاج في تفسير قوله تعالى : فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً [ طه : 88 ] . وقد تقدم هناك ، ومنه قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً [ ص : 34 ] . قيل هو شق غلام لا روح فيه ولدته إحدى نسائه ، أي ما جعلناهم أجراما غير منبثة فيها الأرواح بحيث تنتفي عنهم صفات البشر التي خاصتها أكل الطعام ، وهذا رد لما يقولونه ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ [ الفرقان : 7 ] مع قولهم هنا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الأنبياء : 3 ] . وذكر الجسد يفيد التهكم بالمشركين لأنهم لما قالوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ [ الفرقان : 7 ] ، وسألوا أن يأتي بما أرسل به الأولون كان مقتضى أقوالهم أن الرسل الأولين