الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
132
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وعن مجاهد ، عن ابن الزبير : أنها مدنية . ورواه العوفي عن ابن عباس . وقال الجمهور هذه السورة بعضها مكيّ وبعضها مدنيّ وهي مختلطة ، أي لا يعرف المكيّ بعينه ، والمدنيّ بعينه . قال ابن عطيّة : وهو الأصح . وأقول : ليس هذا القول مثل ما يكثر أن يقولوه في بضع آيات من عدة سور : إنها نزلت في غير البلد الذي نزل فيه أكثر السورة المستثنى منها ، بل أرادوا أن كثيرا منها مكيّ وأن مثله أو يقاربه مدني ، وأنه لا يتعين ما هو مكيّ منها وما هو مدنيّ ولذلك عبروا بقولهم : هي مختلطة . قال ابن عطية : روي عن أنس بن مالك أنه قال : « نزل أول السورة في السفر فنادى رسول اللّه بها فاجتمع إليه الناس » وساق الحديث الذي سيأتي . يريد ابن عطيّة أن نزولها في السفر يقتضي أنها نزلت بعد الهجرة . ويشبه أن يكون أولها نزل بمكة فإن افتتاحها ب يا أَيُّهَا النَّاسُ [ الحج : 1 ] جار على سنن فواتح السور المكيّة . وفي أساليب نظم كثير من آياتها ما يلائم أسلوب القرآن النازل بمكة . ومع هذا فليس الافتتاح ب يا أَيُّهَا النَّاسُ بمعيّن أن تكون مكية ، وإنما قال ابن عباس : يا أَيُّهَا النَّاسُ يراد به المشركون . ولذا فيجوز أن يوجّه الخطاب به إلى المشركين في المدينة في أول مدة حلول النبي صلى اللّه عليه وسلم بها ، فإن قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الحج : 25 ] يناسب أنه نزل بالمدينة حيث صدّ المشركون النبي والمؤمنين عن البقاء معهم بمكة . وكذلك قوله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ [ الحج : 39 - 40 ] فإنه صريح في أنه نزل في شأن الهجرة . روى الترمذي بسنده عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيئهم ليهلكن فأنزل اللّه : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [ الحج : 39 - 40 ] ، وكذلك قوله : وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً [ الحج : 58 ] ففيه ذكر الهجرة وذكر من يقتل من المهاجرين وذلك مؤذن بجهاد متوقع كما سيجيء هنالك . وأحسب أنه لم تتعيّن طائفة منها متوالية نزلت بمكة ونزل ما بعدها بالمدينة بل نزلت آياتها متفرقة . ولعلّ ترتيبها كان بتوقيف من النبي صلى اللّه عليه وسلم ومثل ذلك كثير .