الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

124

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر . قال تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحجّ : 78 ] وقال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت بالحنيفية السمحة » . وما يتخيل من شدة في نحو القصاص والحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة كما أشار إليه قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس . وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة . ورحمته بهم عدم إكراههم على مفارقة أديانهم ، وإجراء العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة . هذا وإن أريد بالعالمين في قوله تعالى : إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به . إذ هو مخلوق لأجل الإنسان ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] وقال تعالى : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [ النحل : 5 - 7 ] . وقد أذنت الشريعة الإسلامية للناس في الانتفاع بما ينتفع به من الحيوان ولم تأذن في غير ذلك . ولذلك كره صيد اللهو وحرم تعذيب الحيوان لغير أكله ، وعدّ فقهاؤنا سباق الخيل رخصة للحاجة في الغرو ونحوه . ورغبت الشريعة في رحمة الحيوان ففي حديث « الموطأ » عن أبي هريرة مرفوعا : « أن اللّه غفر لرجل وجد كلبا يلهث من العطش فنزل في بئر فملأ خفّه ماء وأمسكه بفمه حتى رقي فسقى الكلب فغفر اللّه له » . أما المؤذي والمضرّ من الحيوان فقد أذن في قتله وطرده لترجيح رحمة الناس على رحمة البهائم . وهي تفاصيل الأحكام من هذا القبيل كثرة لا يعوز الفقيه تتبعها . [ 108 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 108 ] قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 )