الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

119

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ الجمهور فِي الزَّبُورِ بصيغة الإفراد وهو اسم للمزبور ، أي المكتوب ، فعول بمعنى مفعول ، مثل : ناقة حلوب وركوب . وقرأ حمزة بصيغة الجمع زبور بوزن فعول جمع زبر - بكسر فسكون - أي مزبور ، فوزنه مثل قشر وقشور ، أي في الكتب . فعلى قراءة الجمهور فو غالب في الإطلاق على كتاب داود قال تعالى : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً * في [ سورة النساء : 163 ] وفي [ سورة الإسراء : 55 ] ، فيكون تخصيص هذا الوعد بكتاب داود لأنه لم يذكر وعد عامّ للصالحين بهذا الإرث في الكتب السماوية قبله . وما ورد في التوراة فيما حكاه القرآن من قول موسى عليه السلام : إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ الأعراف : 128 ] فذلك خاص بأرض المقدس وببني إسرائيل . والزبور : كتاب داود وهو مبثوث في الكتاب المسمى بالمزامير من كتب اليهود . ولم أذكر الآن الجملة التي تضمنت هذا الوعد في المزامير . ووجدت في محاضرة للإيطالي المستعرب ( فويدو ) أن نص هذا الوعد من الزبور باللغة العبرية هكذا : « صديقين يرشون أرص » بشين معجمة في « يرشون » وبصاد مهملة في « أرص » ، أي الصديقون يرثون الأرض . والمقصود : الشهادة على هذا الوعد من الكتب السالفة وذلك قبل أن يجيء مثل هذا الوعد في القرآن في [ سورة النور : 55 ] في قوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . وعلى قراءة حمزة أن هذا الوعد تكرر في الكتب لفرق من العباد الصالحين . ومعنى مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أن ذلك الوعد ورد في الزبور عقب تذكير ووعظ للأمة . فبعد أن ألقيت إليهم الأوامر وعدوا بميراث الأرض ، وقيل المراد ب الذِّكْرِ كتاب الشريعة وهو التوراة . قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ [ الأنبياء : 48 ] فيكون الظرف في قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ مستقرّا في موضع الحال من الزبور . والمقصود من هذه الحال الإيماء إلى أن الوعد المتحدّث عنه هنا هو غير ما وعد اللّه بني إسرائيل على لسان موسى من إعطائهم الأرض المقدسة . وهو الوعد الذي ذكر في قوله تعالى حكاية عن موسى : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 21 ] ، وأنه غير الإرث الذي أورثه اللّه بني إسرائيل من الملك والسلطان لأن ذلك وعد كان قبل داود . فإن ملك داود أحد مظاهره . بل المراد الإيماء إلى أنه وعد وعده اللّه قوما صالحين بعد بني إسرائيل وليسوا إلا المسلمين الذين صدقهم اللّه وعده فملكوا الأرض