الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
114
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هي مخصصة لعموم قوله تعالى : وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بل قوله تعالى : و الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى عام يعم كل مؤمن مات على الإيمان والعمل الصالح . والسبق ، حقيقته : تجاوز الغير في السير إلى مكان معين ، ومنه سباق الخيل ، واستعمل هنا مجازا في ثبوت الأمن في الماضي ، يقال كان هذا في العصور السابقة ، أي التي مضت أزمانها لما بين السبق وبين التقدم من الملازمة ، أي الذين حصلت لهم الحسنى في الدنيا ، أي حصل لهم الإيمان والعمل الصالح من اللّه ، أي بتوفيقه وتقديره ، كما حصل الإهلاك لأضدادهم بما قدر لهم من الخذلان . والحسنى : الحالة الحسنة في الدين ، قال تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] أو الموعدة الحسنى ، أي تقرّر وعد اللّه إياهم بالمعاملة الحسنى . وتقدم في سورة يونس . وذكر الموصول في تعريفهم لأن الموصول للإيماء إلى أن سبب فوزهم هو سبق تقدير الهداية لهم . وذكر اسم الإشارة بعد ذلك لتمييزهم بتلك الحالة الحسنة ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما تقدم على اسم الإشارة من الأوصاف ، وهو سبق الحسنى من اللّه . واختير اسم إشارة البعيد للإيماء إلى رفعة منزلتهم ، والرفعة تشبه بالبعد . وجملة لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها بيان لمعنى مبعدون ، أي مبعدون عنها بعدا شديدا بحيث لا يلفحهم حرّها ولا يروعهم منظرها ولا يسمعون صوتها ، والصوت يبلغ إلى السمع من أبعد مما يبلغ منه المرئي . والحسيس : الصوت الذي يبلغ الحس ، أي الصوت الذي يسمع من بعيد ، أي لا يقربون من النار ولا تبلغ أسماعهم أصواتها ، فهم سالمون من الفزع من أصواتها فلا يقرع أسماعهم ما يؤلمها . وعقّب ذلك بما هو أخص من السلامة وهو النعيم الملائم . وجيء فيه بما يدل على العموم وهو فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ وما يدلّ على الدوام وهو خالِدُونَ . والشهوة : تشوق النفس إلى ما يلذّ لها . وجملة لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ خبر ثان عن الموصول .