الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

109

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عددهما عند العرب من خبر ذي القرنين . ويدلّ لهذا حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه لآدم ( يوم القيامة ) أخرج بعث النار ، فيقول : يا رب ، وما بعث النار « 1 » ؟ فيقول اللّه : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون . قالوا : يا رسول اللّه وأيّنا ذلك الواحد « 2 » ؟ قال : أبشروا ، فإن منكم رجلا ومن يأجوج وماجوج تسعمائة وتسعة وتسعين » . أو يكون اسم يأجوج ومأجوج استعمل مثلا للكثرة كما في قول ذي الرمة : لو أن يأجوج وماجوج معا * وعاد عاد واستجاشوا تبّعا أي : حتى إذا أخرجت الأموات كيأجوج ومأجوج على نحو قوله تعالى : يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [ القمر : 7 ] ، فيكون تشبيها بليغا من تشبيه المعقول بالمعقول . ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، ( جدث ) بجيم ومثلثة ، أي من كل قبر في معنى قوله تعالى : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [ الانفطار : 4 ] فيكون ضميرا وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ عائدين إلى مفهوم من المقام دلّت عليه قرينة الرجوع من قوله تعالى : لا يَرْجِعُونَ [ الأنبياء : 95 ] أي أهل كل قرية أهلكناها . والاقتراب ، على هذا الوجه : القرب الشديد وهو المشارفة ، أي اقترب الوعد الذي وعده المشركون ، وهو العذاب بأن رأوا النار والحساب . وعلامة التأنيث في فعل فُتِحَتْ لتأويل يأجوج وماجوج بالأمة . ثم يقدر المضاف وهو سدّ فيكتسب التأنيث من المضاف إليه . ويأجوج وماجوج هم قبيلتان من أمة واحدة مثل طسم وجديس . وإسناد فعل فُتِحَتْ إلى يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ بتقدير مضاف ، أي فتح ردمهما أو سدّهما . وفعل الفتح قرينة على المفعول . وقرأ الجمهور فُتِحَتْ بتخفيف التاء الفوقية التي بعد الفاء . وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بتشديدها . وتقدم الكلام على يأجوج وماجوج في سورة الكهف .

--> ( 1 ) البعث مصدر بمعنى المفعول ، أي : المبعوثين إلى النار . ( 2 ) أي الذي بقي من الألف .