الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

104

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التوحيد وهو شريعة إبراهيم أصلهم . ويؤيد هذا الوجه أن نظير هذه الآية في سورة المؤمنين جاء فيه العطف بفاء التفريع . والتقطع : مطاوع قطّع ، أي تفرقوا . وأسند التقطع إليهم لأنهم جعلوا أنفسهم فرقا فعبدوا آلهة متعددة واتخذت كل قبيلة لنفسها إلها من الأصنام مع اللّه ، فشبه فعلهم ذلك بالتقطع . و في « جمهرة الأنساب » لابن حزم : « كان الحصين بن عبيد الخزاعي ، وهو والد عمران بن حصين لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له رسول اللّه : يا حصين ما تعبد ؟ قال : عشرة آلهة ، قال : ما هم وأين هم ؟ قال : تسعة في الأرض وواحد في السماء . قال : فمن لحاجتك ؟ قال : الذي في السماء ، قال : فمن لطلبتك ؟ قال : الذي في السماء ، قال : فمن لكذا ؟ فمن لكذا ؟ كلّ ذلك يقول : الذي في السماء ، قال رسول اللّه : فالغ التسعة » . وفي كتاب الدعوات : من « سنن الترمذي » : « أنه قال : سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء » . والأمر : الحال . والمراد به الدين كما دل عليه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ في [ سورة الأنعام : 159 ] . ولمّا ضمن تَقَطَّعُوا معنى توزّعوا عدّي إلى « دينهم » فنصبه ، والأصل : تقطعوا في دينهم وتوزعوه . وزيادة بَيْنَهُمْ لإفادة إنهم تعاونوا وتظاهروا على تقطّع أمرهم . فربّ قبيلة اتخذت صنما لم تكن تعبده قبيلة أخرى ثم سوّلوا لجيرتهم وأحلافهم أن يعبدوه فألحقوه بآلهتهم . وهكذا حتى كان في الكعبة عدة أصنام وتماثيل لأن الكعبة مقصودة لجميع قبائل العرب . وقد روي أن عمرو بن لحي الملقب بخزاعة هو الذي نقل الأصنام إلى العرب . وجملة كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ مستأنفة استئنافا بيانيا لجواب سؤال يجيش في نفس سامع قوله تعالى وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ وهو معرفة عاقبة هذا التقطع . وتنوين كُلٌّ عوض عن المضاف إليه ، أي كلّهم ، أي أصحاب ضمائر الغيبة وهم المشركون . والكلام يفيد تعريضا بالتهديد . ودلّ على ذلك التفريع في قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ [ الأنبياء : 94 ] إلى آخره .