الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
100
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمسارعة : مستعارة للحرص وصرف الهمة والجدّ للخيرات ، أي لفعلها ، تشبيها للمداومة والاهتمام بمسارعة السائر إلى المكان المقصود الجادّ في مسالكه . والخيرات : جمع خير - بفتح الخاء وسكون الياء - وهو جمع بالألف والتاء على خلاف القياس فهو مثل سرادقات وحمامات واصطبلات . والخير ضدّ الشرّ ، فهو ما فيه نفع . وأما قوله تعالى : فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ [ الرحمن : 70 ] فيحتمل أنه مثل هذا ، ويحتمل أنه جمع خيرة - بفتح فسكون - الذي هو مخفف خيّره المشدّد الياء ، وهي المرأة ذات الأخلاق الخيرية . وقد تقدم الكلام على الْخَيْراتِ في قوله تعالى : وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ في [ سورة براءة : 88 ] . وعطف على ذلك أنهم يدعون اللّه رغبة في ثوابه ورهبة من غضبه ، كقوله تعالى : يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزمر : 9 ] . والرغب والرهب - بفتح ثانيهما - مصدران من رغب ورهب . وهما وصف لمصدر يَدْعُونَنا لبيان نوع الدعاء بما هو أعم في جنسه ، أو يقدر مضاف ، أي ذوي . رغب ورهب ، فأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه . وذكر فعل الكون في قوله تعالى : وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ مثل ذكره في قوله تعالى : كانُوا يُسارِعُونَ . والخشوع : خوف القلب بالتفكر دون اضطراب الأعضاء الظاهرة . [ 91 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 91 ] وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 91 ) لما انتهى التنويه بفضل رجال من الأنبياء أعقب بالثناء على امرأة نبيئة إشارة إلى أن أسباب الفضل غير محجورة ، كما قال اللّه تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [ الأحزاب : 35 ] الآية . هذه هي مريم ابنة عمران . وعبر عنها بالموصول دلالة على أنها قد اشتهرت بمضمون الصلة كما هو شأن طريق الموصولية غالبا ، وأيضا لما في الصلة من معنى تسفيه اليهود الذين تقوّلوا عنها إفكا وزورا ، وليبنى على تلك الصلة ما تفرع عليها من قوله تعالى : فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا الذي هو في حكم الصلة أيضا ، فكأنه قيل : والتي نفخنا فيها من روحنا ، لأن كلا الأمرين موجب ثناء . وقد أراد اللّه إكرامها بأن تكون مظهر عظيم قدرته في مخالفة السنة البشرية لحصول حمل أنثى دون قربان ذكر ، ليرى الناس مثالا من التكوين الأوّل كما أشار إليه قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ