الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

26

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

من قبل ذلك . وقرأه حمزة ، وحفص ، وخلف نَسْياً - بفتح النون - وهو لغة في النّسي ، كالوتر والوتر ، والجسر والجسر . [ 24 ] [ سورة مريم ( 19 ) : آية 24 ] فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) ضمير الرفع المستتر في ( ناداها ) عائد إلى ما عاد عليه الضمير الغائب في فَحَمَلَتْهُ [ مريم : 22 ] ، أي : ناداها المولود . قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص ، وأبو جعفر ، وخلف ، وروح عن يعقوب مِنْ تَحْتِها - بكسر ميم ( من ) - على أنها حرف ابتداء متعلّق ب ( ناداها ) وبجر تَحْتِها . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، ورويس عن يعقوب من - بفتح الميم - على أنها اسم موصول ، وفتح تحتها على أنه ظرف جعل صلة ، والمعني بالموصول هو الغلام الذي تحتها . وهذا إرهاص لعيسى وكرامة لأمّه عليهما السلام . وقيد مِنْ تَحْتِها لتحقيق ذلك ، ولإفادة أنه ناداها عند وضعه قبل أن ترفعه مبادرة للتسلية والبشارة وتصويرا لتلك الحالة التي هي حالة تمام اتّصال الصبي بأمه . وأن من قوله أَلَّا تَحْزَنِي تفسيرية لفعل ( ناداها ) . وجملة قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا خبر مراد به التعليل لجملة أَلَّا تَحْزَنِي ، أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية . السرّي : الجدول من الماء كالساقية ، كثير الماء الجاري . وهبها اللّه طعاما طيّبا وشرابا طيّبا كرامة لها يشهدها كل من يراها ، وكان معها خطيبها يوسف النجار ، ومن عسى أن يشهدها فيكون شاهدا بعصمتها وبراءتها مما يظن بها . فأما الماء فلأنه لم يكن الشأن أن تأوي إلى مجرى ماء لتضع عنده . وأما الرطب فقيل كان الوقت شتاء ، ولم يكن إبان رطب وكان جذع النخلة جذع نخلة ميتة فسقوط الرطب منها خارق للعادة . وإنما أعطيت رطبا دون التمر لأنّ الرطب أشهى للنفس إذ هو كالفاكهة وأما التمر فغذاء .