الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
93
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بمعنى المقابل الظاهر . وقرأ حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف قُبُلًا - بضمتين - وهو جمع قبيل ، أي يأتيهم العذاب أنواعا . [ 56 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 56 ] وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) بعد أن أشار إلى جدالهم في هدى القرآن بما مهد له من قوله : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [ الكهف : 54 ] . وأشار إلى أن الجدال فيه مجرد مكابرة وعناد ، وأنه لا يحف بالقرآن ما يمنع من الإيمان به كما لم يحف بالهدى الذي أرسل إلى الأمم ما يمنعهم الإيمان به ، أعقب ذلك بأن وظيفة الرسل التبليغ بالبشارة والنذارة لا التصدي للجادلة ، لأنها مجادلة لم يقصد منها الاسترشاد بل الغاية منها إبطال الحق . والاستثناء من أحوال عامة محذوفة ، أي ما نرسل المرسلين في حال إلا في حال كونهم مبشرين ومنذرين . والمراد بالمرسلين جميع الرسل . وجملة وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ عطف على جملة وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ . وكلتا الجملتين مرتبط بجملتي وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [ الكهف : 54 ] . وترتيب هذه الجمل في الذكر جار على ترتيب معانيها في النفس بحيث يشعر بأن كل واحدة منها ناشئ معناها على معنى التي قبلها ، فكانت جملة وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ مفيدة معنى الاستدراك ، أي أرسلنا الرسل مبشرين ومنذرين بما فيه مقنع لطالب الهدى ، ولكن الذين كفروا جادلوه بالباطل لإزالة الحق لا لقصد آخر . واختيار فعل المضارعة للدلالة على تكرر المجادلة ، أو لاستحضار صورة المجادلة . والمجادلة تقدمت في قوله تعالى : يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ في سورة هود [ 74 ] . والإدحاض : الإزلاق ، يقال : دحضت القدم ، إذا زلّت ، وهو مجاز في الإزالة ، لأن الرجل إذا زلقت زالت عن موضع تخطيها ، قال تعالى : فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [ الصافات : 141 ] . وجملة وَاتَّخَذُوا آياتِي عطف على جملة وَيُجادِلُ فإنهم ما قصدوا من المجادلة الاهتداء ، ولكن أرادوا إدحاض الحق واتخاذ الآيات كلها وبخاصة آيات الإنذار هزؤا .