الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
82
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمغادرة : الترك ، وتقدم آنفا في قوله : فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [ الكهف : 47 ] . والصغيرة والكبيرة : وصفان لموصوف محذوف لدلالة المقام ، أي فعلة أو هنة . والمراد بالصغر والكبر هنا الأفعال العظيمة والأفعال الحقيرة . والعظم والحقارة يكونان بحسب الوضوح والخفاء ويكونان بحسب القوة والضعف . وتقديم ذكر الصغيرة لأنها أهم من حيث يتعلق التعجب من إحصائها . وعطفت عليها الكبيرة لإرادة التعميم في الإحصاء لأن التعميم أيضا مما يثير التعجب ، فقد عجبوا من إحاطة كاتب الكتاب بجميع الأعمال . والاستثناء من عموم أحوال الصغيرة والكبيرة ، أي لا يبقي صغيرة ولا كبيرة في جميع أحوالهما إلا في حال إحصائه إياها ، أي لا يغادره غير محصي . فالاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده لأنه إذا أحصاه فهو لم يغادره ، فآل إلى معنى أنه لا يغادر شيئا ، وانتفت حقيقة الاستثناء . فجملة أَحْصاها في موضع الحال . والرابط بينها وبين ذي الحال حرف الاستثناء . والإحصاء : العد ، أي كانت أفعالهم معدودة مفصلة . وجملة وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً في موضع الحال من ضمير يَقُولُونَ . أي إنما قالوا ذلك حين عرضت عليهم أعمالهم كلها عند وضع ذلك الكتاب عرضا سريعا حصل به علم كلّ بما في كتابه على وجه خارق للعادة . وجملة وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً عطف على جملة وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً لما أفهمته الصلة من أنهم لم يجدوا غير ما عملوا ، أي لم يحمل عليهم شيء لم يعملوه ، لأن اللّه لا يظلم أحدا فيؤاخذه بما لم يقترفه ، وقد حدد لهم من قبل ذلك ما ليس لهم أن يفعلوه وما أمروا بفعله ، وتوعدهم ووعدهم ، فلم يكن في مؤاخذتهم بما عملوه من المنهيات بعد ذلك ظلم لهم . والمقصود : إفادة هذا الشأن من شؤون اللّه تعالى ، فلذلك عطفت الجملة لتكون مقصودة أصالة . وهي مع ذلك مفيدة معنى التذييل لما فيها من الاستدلال على مضمون الجملة قبلها ، ومن العموم الشامل لمضمون الجملة قبلها وغيره ، فكانت من هذا الوجه صالحة للفصل بدون عطف لتكون تذييلا . [ 50 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 50 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ( 50 )