الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
76
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لعدم وضوح المعنى عليه ، وفي ذكر الأرض بعد ذكر السماء محسن الطباق . و ( أصبح ) مستعملة بمعنى صار ، وهو استعمال شائع . والهشيم : اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول ، أي مهشوما محطما . والهشم : الكسر والتفتيت . و تَذْرُوهُ الرِّياحُ أي تفرقه في الهواء . والذرو : الرمي في الهواء . شبهت حالة هذا العالم بما فيه بحالة الروضة تبقى زمانا بهجة خضرة ثم يصير نبتها بعد حين إلى اضمحلال . ووجه الشبه : المصير من حال حسن إلى حال سيّئ . وهذا تشبيه معقول بمحسوس لأن الحالة المشبهة معقولة إذ لم ير الناس بوادر تقلص بهجة الحياة ، وأيضا شبهت هيئة إقبال نعيم الدنيا في الحياة مع الشباب والجدة وزخرف العيش لأهله ، ثم تقلص ذلك وزوال نفعه ثم انقراضه أشتاتا بهيئة إقبال الغيث منبت الزرع ونشأته عنه ونضارته ووفرته ثم أخذه في الانتقاص وانعدام التمتع به ثم تطايره أشتاتا في الهواء ، تشبيها لمركب محسوس بمركب محسوس ووجه الشبه كما علمت . وجملة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً جملة معترضة في آخر الكلام . موقعها التذكير بقدرة اللّه تعالى على خلق الأشياء وأضدادها ، وجعل أوائلها مفضية إلى أواخرها ، وترتيبه أسباب الفناء على أسباب البقاء ، وذلك اقتدار عجيب . وقد أفيد ذلك على أكمل وجه بالعموم الذي في قوله : عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو بذلك العموم أشبه التذييل . والمقتدر : القوي القدرة . [ 46 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 46 ] الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ( 46 ) اعتراض أريد به الموعظة والعبرة للمؤمنين بأن ما فيه المشركون من النعمة من مال وبنين ما هو إلا زينة الحياة الدنيا التي علمتم أنها إلى زوال ، كقوله تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ [ آل عمران : 196 ] وأن ما أعد اللّه للمؤمنين خير عند اللّه وخير أملا . والاغتباط بالمال والبنين شنشنة معروفة في العرب ، قال طرفة : فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم * ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي * بنون كرام سادة لمسوّد