الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

6

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد ورد في فضلها أحاديث متفاوتة أصحها الأحاديث المتقدمة . وهي من السور التي نزلت جملة واحدة . روى الديلمي في مسند الفردوس عن أنس قال : « نزلت سورة الكهف جملة معها سبعون ألفا من الملائكة » . وقد أغفل هذا صاحب « الإتقان » . عدت آيها في عدد قراء المدينة ومكة مائة وخمسا ، وفي عدد قراء الشام مائة وستا ، وفي عدد قراء البصرة مائة وإحدى عشرة ، وفي عد قراء الكوفة مائة وعشرا ، بناء على اختلافهم في تقسيم بعض الآيات إلى آيتين . وسبب نزولها ما ذكره كثير من المفسرين ، وبسطه ابن إسحاق في سيرته بدون سند ، وأسنده الطبري إلى ابن عباس بسند فيه رجل مجهول : أن المشركين لما أهمهم أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وازدياد المسلمين معه وكثر تساؤل الوافدين إلى مكة من قبائل العرب عن أمر دعوته ، بعثوا النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة ( يثرب ) يسألونهم رأيهم في دعوته ، وهم يطمعون أن يجد لهم الأحبار ما لم يهتدوا إليه مما يوجهون به تكذيبهم إياه ، قالوا : فإن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ( أي صفاتهم وعلاماتهم ) علم ليس عندنا ، فقدم النضر وعقبة إلى المدينة ووصفا لليهود دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأخبراهم ببعض قوله ، فقال لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث ؟ فإن أخبركم بهن فهو نبيء وإن لم يفعل فالرجل متقوّل ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ، وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وسلوه عن الروح ما هي . فرجع النضر وعقبة فأخبرا قريشا بما قاله أحبار اليهود ، فجاء جمع من المشركين إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فسألوه عن هذه الثلاثة ؛ فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أخبركم بما سألتم عنه غدا ( وهو ينتظر وقت نزول الوحي عليه بحسب عادة يعلمها ) . ولم يقل : إن شاء اللّه . فمكث رسول اللّه ثلاثة أيام لا يوحى إليه ، وقال ابن إسحاق : خمسة عشر يوما ، فأرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا اليوم عدة أيام لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، حتى أحزن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وشق عليه ، ثم جاءه جبريل - عليه السلام - بسورة الكهف وفيها جوابهم عن الفتية وهم أهل الكهف ، وعن الرجل الطواف وهو ذو القرنين . وأنزل عليه فيما سألوه من أمر الروح وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا من [ الإسراء : 85 ] . قال السهيلي : وفي رواية عن ابن إسحاق من غير طريق البكائي ( أي زياد بن عبد اللّه البكائي الذي يروي عنه ابن هشام ) أنه