الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
32
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و ( من ) استفهامية ، وهو إنكار ، أي لا أظلم ممن افترى . والمعنى : أنه أظلم من غيره . وليس المراد المساواة بينه وبين غيره ، كما تقدم في قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [ البقرة : 114 ] . والمعنى : أن هؤلاء افتروا على اللّه كذبا ، وذلك أنهم أشركوا معه غيره في الإلهية فقد كذبوا عليه في ذلك إذ أثبتوا له صفة مخالفة للواقع . وافتراء الكذب تقدم في قوله تعالى : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في سورة المائدة [ 103 ] . ثم إن كان الكلام من مبدئه خطابا لقومهم أعلنوا به إيمانهم بينهم كما تقدم كانت الإشارة في قولهم : هؤُلاءِ قَوْمُنَا على ظاهرها ، وكان ارتقاء في التعريض لهم بالموعظة ؛ وإن كان الكلام من مبدئه دائرا بينهم في خاصتهم كانت الإشارة إلى حاضر في الذهن كقوله تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ [ الأنعام : 89 ] أي مشركو مكة . [ 16 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 16 ] وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 ) يتعين أن يكون هذا من كلام بعضهم لبعض على سبيل النصح والمشورة الصائبة . وليس يلزم في حكاية أقوال القائلين أن تكون المحكيات كلها صادرة في وقت واحد ، فيجوز أن يكونوا قال بعضهم لبعض ذلك بعد اليأس من ارعواء قومهم عن فتنتهم في مقام آخر . ويجوز أن يكون ذلك في نفس المقام الذي خاطبوا فيه قومهم بأن غيروا الخطاب من مواجهة قومهم إلى مواجهة بعضهم بعضا ، وهو ضرب من الالتفات . فعلى الوجه الأول يكون فعل اعْتَزَلْتُمُوهُمْ مستعملا في إرادة الفعل مثل إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] ، وعلى الوجه الثاني يكون الاعتزال قد حصل فيما بين مقام خطابهم قومهم وبين مخاطبة بعضهم بعضا . وعلى الاحتمالين فالقرآن اقتصر في حكاية أقوالهم على المقصد الأهم منها في الدلالة على ثباتهم دون ما سوى ذلك ممّا لا أثر له في الغرض وإنما هو مجرد قصص . و « إذ » للظرفية المجازية بمعنى التعليل . والاعتزال : التباعد والانفراد عن مخالطة الشيء ، فمعنى اعتزال القوم ترك