الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

21

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أعاد نومتهم الخارقة للعادة فأبقاهم أحياء إلى أمد يعلمه اللّه أو أماتهم وحفظ أجسادهم من البلى كرامة لهم . وقد عرف الناس خبرهم ولم يقفوا على أعيانهم ولا وقفوا على رقيمهم ، ولذلك اختلفوا في شأنهم ، فمنهم من يثبت وقوع قصتهم ومنهم من ينفيها . ولما كانت معاني الآيات لا تتضح إلا بمعرفة ما أشارت إليه من قصة أهل الكهف تعين أن نذكر ما صح عند أعلام المؤرخين على ما فيه من اختلاف . وقد ذكر ابن عطية ملخصا في ذلك دون تعريج على ما هو من زيادات المبالغين والقصّاص . والذي ذكره الأكثر أن في بلد يقال له ( أبسس ) - بفتح الهمزة وسكون الموحدة وضم السين بعدها سين أخرى مهملة - وكان بلدا من ثغور طرسوس بين حلب وبلاد أرمينية وأنطاكية . وليست هي ( أفسس ) - بالفاء أخت القاف - المعروفة في بلاد اليونان بشهرة هيكل المشتري فيها فإنها من بلاد اليونان وإلى أهلها كتب بولس رسالته المشهورة . وقد اشتبه ذلك على بعض المؤرخين والمفسرين . وهي قريبة من ( مرعش ) من بلاد أرمينية ، وكانت الديانة النصرانية دخلت في تلك الجهات ، وكان الغالب عليها دين عبادة الأصنام على الطريقة الرومية الشرقية قبل تنصر قسطنطين ، فكان من أهل ( أبسس ) نفر من صالحي النصارى يقاومون عبادة الأصنام . وكانوا في زمن الإنبراطور ( دوقيوس ) ويقال ( دقيانوس ) الذي ملك في حدود سنة 237 . وكان ملكه سنة واحدة . وكان متعصبا للديانة الرومانية وشديد البغض للنصرانيّة ، فأظهروا كراهية الديانة الرومانية . وتوعدهم دوقيوس بالتعذيب ، فاتفقوا على أن يخرجوا من المدينة إلى جبل بينه وبين المدينة فرسخان يقال له ( بنجلوس ) فيه كهف أووا إليه وانفردوا فيه بعبادة اللّه . ولما بلغ خبر فرارهم مسامع الملك وأنهم أووا إلى الكهف أرسل وراءهم فألقى اللّه عليهم نومة فظنهم أتباع الملك أمواتا . وقد قيل : إنه أمر أن تسد فوهة كهفهم بحائط ، ولكن ذلك لم يتم فيما يظهر لأنه لو بني على فوهة كهفهم حائط لما أمكن خروج من انبعث منهم . ولعل الذي حال دون تنفيذ ما أمر به الملك أن مدته لم تطل في الملك إذ لم تزد مدته على عام واحد ، وقد بقوا في رقدتهم مدة طويلة قربها ابن العبري بمائتين وأربعين سنة ، وكان انبعاثهم في مدة ملك ( ثاوذوسيوس ) فيصر الصغير ، وذكر القرآن أنها ثلاثمائة سنة . ثم إن اللّه جعلهم آية لأنفسهم وللناس فبعثهم من مرقدهم ولم يعلموا مدة مكثهم