الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

16

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تافه آلاتهم التي كانوا يعالجون بها شؤونهم كالأوتاد والرماد . وحرف ( على ) للاستعلاء المجازي فيجوز أن يكون المعنى : لعلك مهلك نفسك لأجل إعراضهم عنك كما يعرض السائر عن المكان الذي كان فيه ، فتكون ( على ) للتعليل . ويجوز أن يكون المعنى تمثيل حال الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في شدة حرصه على اتباع قومه له وفي غمه من إعراضهم . وتمثيل حالهم في النفور والإعراض بحال من فارقه أهله وأحبته فهو يرى آثار ديارهم ويحزن لفراقهم . ويكون حرف ( على ) ظرفا مستقرا في موضع الحال من ضمير الخطاب ، ومعنى ( على ) الاستعلاء المجازي وهو شدة الاتصال بالمكان . وكأن هذا الكلام سيق إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في آخر أوقات رجائه في إيمانهم إيماء إلى أنهم غير صائرين إلى الإيمان ، وتهيئة نفسه أن تتحمل ما سيلقاه من عنادهم رأفة من ربه به ، ولذلك قال : إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ بصيغة الفعل المضارع المقتضية الحصول في المستقبل ، أي إن استمر عدم إيمانهم . واسم الإشارة وبيانه مراد به القرآن ، لأنه لحضوره في الأذهان كأنه حاضر في مقام نزول الآية فأشير إليه بذلك الاعتبار . وبيّن بأنه الحديث . والحديث : الخبر . وإطلاق اسم الحديث على القرآن باعتبار أنه إخبار من اللّه لرسوله ، إذ الحديث هو الكلام الطويل المتضمن أخبارا وقصصا . سمي الحديث حديثا باعتبار اشتماله على الأمر الحديث ، أي الذي حدث وجد ، أي الأخبار المستجدة التي لا يعلمها المخاطب ، فالحديث فعيل بمعنى مفعول . وانظر ما يأتي عند قوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ في سورة الزمر [ 23 ] . و أَسَفاً مفعول له من باخِعٌ نَفْسَكَ أي قاتلها لأجل شدة الحزن ، والشرط معترض بين المفعولين ، ولا جواب له للاستغناء عن الجواب بما قبل الشرط . [ 7 ، 8 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 7 إلى 8 ] إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) مناسبة موقع هذه الآية هنا خفية جدا أعوز المفسرين بيانها ، فمنهم ساكت عنها ، ومنهم محاول بيانها بما لا يزيد على السكوت . والذي يبدو : أنها تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على إعراض المشركين بأن اللّه أمهلهم وأعطاهم