الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
132
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن يكون المعنى أنهم قوم متوغلون في البداوة والبلاهة فلا يفهمون ما يقصده من يخاطبهم . وقرأ الجمهور يَفْقَهُونَ - بفتح الياء التحتية وفتح القاف - أي لا يفهمون قول غيرهم . وقرأ حمزة ، والكسائي - بضم الياء وكسر القاف - أي لا يستطيعون إفهام غيرهم قولهم . والمعنيان متلازمان . وهذا كما في حديث الإيمان : « نسمع دويّ صوته ولا نفهم ما يقول » . وهؤلاء القوم مجاورون يأجوج وماجوج ، وكانوا أضعف منهم فسألوا ذا القرنين أن يقيهم من فساد يأجوج وماجوج . ولم يذكر المفسرون تعيين هؤلاء القوم ولا أسماء قبيلهم سوى أنهم قالوا : هم في منقطع بلاد الترك نحو المشرق وكانوا قوما صالحين فلا شك أنهم من قبائل بلاد الصين التي تتاخم بلاد المغول والتّتر . وجملة قالُوا استئناف للمحاورة . وقد بينا في غير موضع أن جمل حكاية القول في المحاورات لا تقترن بحرف العطف كما في قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] الآية . فعلى أول الاحتمالين في معنى لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا أنهم لا يدركون ما يطلب منهم من طاعة ونظام ومع ذلك يعربون عما في نفوسهم من الأغراض مثل إعراب الأطفال ، وعلى الاحتمال الثاني أنهم أمكنهم أن يفهم مرادهم بعد لأي . وافتتاحهم الكلام بالنداء أنهم نادوه نداء المستغيثين المضطرين ، ونداؤهم إياه بلقب ذي القرنين يدل على أنه مشهور بمعنى ذلك اللقب بين الأمم المتاخمة لبلاده . ويأجوج وماجوج أمة كثيرة العدد فيحتمل أن الواو الواقعة بين الاسمين حرف عطف فتكون أمة ذات شعبين ، وهم المغول وبعض أصناف التتار . وهذا هو المناسب لأصل رسم الكلمة ولا سيما على القول بأنهما اسمان عربيان كما سيأتي فقد كان الصنفان متجاورين . ووقع لعلماء التاريخ وعلماء الأنساب في اختلاف إطلاق اسمي المغول والتتار كل على ما يطلق عليه الآخر لعسر التفرقة بين المتقاربين منهما ، وقد قال بعض العلماء : إن المغول هم ماجوج بالميم اسم جد لهم يقال له أيضا ( سكيثوس ) وربما يقال له ( جيته ) . وكان الاسم العام الذي يجمع القبيلتين ماجوج ثم انقسمت الأمة فسميت فروعها بأسماء خاصة ، فمنها ماجوج ويأجوج وتتر ثم التركمان ثم الترك . ويحتمل أن الواو المذكورة