الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

128

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتنكير قَوْماً يؤذن بأنهم أمّة غير معروفة ولا مألوفة حالة عقائدهم وسيرتهم . فجملة قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ استئناف بياني لما أشعر به تنكير قَوْماً من إثارة سؤال عن حالهم وعما لاقاه بهم ذو القرنين . وقد دل قوله : إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً على أنهم مستحقون للعذاب ، فدلّ على أن أحوالهم كانت في فساد من كفر وفساد عمل . وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام ، أي ألقينا في نفسه ترددا بين أن يبادر استيصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل ، ويكون قوله قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ، أي قال في نفسه معتمدا على حالة وسط بين صورتي التردد . وقيل : إن ذا القرنين كان نبيئا يوحى عليه فيكون القول كلاما موحى به إليه يخيّره فيه بين الأمرين ، مثل التخيير الذي في قوله تعالى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [ محمد : 4 ] ، ويكون قوله : قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ جوابا منه إلى ربّه . وقد أراد اللّه إظهار سداد اجتهاده كقوله : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [ الأنبياء : 79 ] . و حُسْناً مصدر . وعدل عن ( أن تحسن إليهم ) إلى أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً مبالغة في الإحسان إليهم حتى جعل كأنه اتّخذ فيهم نفس الحسن ، مثل قوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [ البقرة : 83 ] . وفي هذه المبالغة تلقين لاختيار أحد الأمرين المخير بينهما . والظلم : الشرك ، بقرينة قسيمه في قوله وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً . واجتلاب حرف الاستقبال في قوله : فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ يشير إلى أنه سيدعوه إلى الإيمان فإن أصرّ على الكفر يعذبه . وقد صرح بهذا المفهوم في قوله وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أي آمن بعد كفره . ولا يجوز أن يكون المراد من هو مؤمن الآن ، لأن التخيير بين تعذيبهم واتخاذ الإمهال معهم يمنع أن يكون فيهم مؤمنون حين التخيير . والمعنى : فسوف نعذبه عذاب الدنيا ولذلك أسنده إلى ضميره ثم قال : ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وذلك عذاب الآخرة . وقرأ الجمهور جَزاءً الْحُسْنى بإضافة جَزاءً إلى الْحُسْنى على الإضافة البيانية . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف جَزاءً الْحُسْنى بنصب جَزاءً منونا على أنه تمييز لنسبة استحقاقه الحسنى ، أو مصدر مؤكد لمضمون