الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

118

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومعنى كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً أي صالحة ، بقرينة قوله فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ، وقد ذكروا في تعيين هذا الملك وسبب أخذه للسفن قصصا وأقوالا لم يثبت شيء منها بعينه ، ولا يتعلّق به غرض في مقام العبرة . وجملة فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها متفرعة على كل من جملتي فَكانَتْ لِمَساكِينَ ، و وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ ، فكان حقها التأخير عن كلتا الجملتين بحسب الظاهر ، ولكنها قدمت خلافا لمقتضى الظاهر لقصد الاهتمام والعناية بإرادة إعابة السفينة حيث كان عملا ظاهره الإنكار وحقيقته الصلاح زيادة في تشويق موسى إلى علم تأويله ، لأن كون السفينة لمساكين مما يزيد السامع تعجبا في الإقدام على خرقها . والمعنى : فأردت أن أعيبها وقد فعلت . وإنما لم يقل : فعبتها ، ليدل على أن فعله وقع عن قصد وتأمل . وقد تطلق الإرادة على القصد أيضا . وفي « اللسان » عزو ذلك إلى سيبويه . وتصرف الخضر في أمر السفينة تصرف برعي المصلحة الخاصة عن إذن من اللّه بالتصرف في مصالح الضعفاء إذ كان الخضر عالما بحال الملك ، أو كان اللّه أعلمه بوجوده حينئذ ، فتصرف الخضر قائم مقام تصرف المرء في ماله بإتلاف بعضه لسلامة الباقي ، فتصرفه الظاهر إفساد وفي الواقع إصلاح لأنه من ارتكاب أخف الضررين . وهذا أمر خفي لم يطلع عليه إلّا الخضر ، فلذلك أنكره موسى . وأما تصرفه في قتل الغلام فتصرف بوحي من اللّه جار على قطع فساد خاص علمه اللّه وأعلم به الخضر بالوحي ، فليس من مقام التشريع ، وذلك أنّ اللّه علم من تركيب عقل الغلام وتفكيره أنه عقل شاذ وفكر منحرف طبع عليه بأسباب معتادة من انحراف طبع وقصور إدراك ، وذلك من آثار مفضية إلى تلك النفسية وصاحبها في أنه ينشأ طاغيا كافرا . وأراد اللّه اللّطف بأبويه بحفظ إيمانهما وسلامة العالم من هذا الطاغي لطفا أراده اللّه خارقا للعادة جاريا على مقتضى سبق علمه ، ففي هذا مصلحة للدّين بحفظ أتباعه من الكفر ، وهو مصلحة خاصة فيها حفظ الدين ، ومصلحة عامة لأنه حقّ للّه تعالى فهو كحكم قتل المرتد . والزّكاة : الطهارة ، مراعاة لقول موسى أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً . والرحم : - بضم الراء وسكون الحاء - : نظير الكثر للكثرة . والخشية : توقع ذلك لو لم يتدارك بقتله . وضميرا الجماعة في قوله فَخَشِينا وقوله فَأَرَدْنا عائدان إلى المتكلم الواحد