الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
112
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
صحبة من يطرأ عليه النسيان ، ولذلك بني كلام موسى على طلب عدم المؤاخذة بالنسيان ولم يبن على الاعتذار بالنسيان ، كأنه رأى نفسه محقوقا بالمؤاخذة ، فكان كلاما بديع النسيج في الاعتذار . والمؤاخذة : مفاعلة من الأخذ ، وهي هنا للمبالغة لأنها من جانب واحد كقوله تعالى : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ [ النحل : 61 ] . و ( ما ) مصدرية ، أي لا تؤاخذني بنسياني . والإرهاق : تعدية رهق ، إذا غشي ولحق ، أي لا تغشّني عسرا . وهو هنا مجاز في المعاملة بالشدة . والإرهاق : مستعار للمعاملة والمقابلة . والعسر : الشدة وضد اليسر . والمراد هنا : عسر المعاملة ، أي عدم التسامح معه فيما فعله فهو يسأله الإغضاء والصفح . والأمر : الشأن . و ( من ) يجوز أن تكون ابتدائية ، فكون المراد بأمره نسيانه ، أي لا تجعل نسياني منشئا لإرهاقي عسرا . ويجوز أن تكون بيانية فيكون المراد بأمره شأنه معه ، أي لا تجعل شأني إرهاقك إياي عسرا . [ 74 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 74 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ( 74 ) يدل تفريع قوله : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً عن اعتذار موسى ، على أن الخضر قبل عذره وانطلقا مصطحبين . والقول في نظم قوله : حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً كالقول في قوله : حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ [ الكهف : 71 ] . وقوله : فَقَتَلَهُ تعقيب لفعل لَقِيا تأكيدا للمبادرة المفهومة من تقديم الظرف ، فكانت المبادرة بقتل الغلام عند لقائه أسرع من المبادرة بخرق السفينة حين ركوبها . وكلام موسى في إنكار ذلك جرى على نسق كلامه في إنكار خرق السفينة سوى أنه