الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

99

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الاستحالة في ظنهم ، فالإنكار متسلط على جملة أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ . وقوة إنكار ذلك مقيد بحالة الكون عظاما ورفاتا ، وأصل تركيب الجملة : أإنا لمبعوثون إذا كنا عظاما ورفاتا . وليس المقصود من الظرف التقييد ، لأن الكون عظاما ورفاتا ثابت لكل من يموت فيبعث . والبعث : الإرسال . وأطلق هنا على إحياء الموتى ، لأن الميت يشبه الماكث في عدم مبارحة مكانه . والعظام : جمع عظم ، وهو ما منه تركيب الجسد للإنسان والدواب . ومعنى كُنَّا عِظاماً أنهم عظام لا لحم عليها . والرفات : الأشياء المرفوتة ، أي المفتتة . يقال : رفت الشيء إذا كسره كسرا دقيقة . ووزن فعال يدل على مفعول أفعال التجزئة مثل الدقاق والحطام والجذاذ والفتات . و خَلْقاً جَدِيداً حال من ضمير « مبعوثون » . وذكر الحال لتصوير استحالة البعث بعد الفناء لأن البعث هو الإحياء ، فإحياء العظام والرفات محال عندهم ، وكونهم خلقا جديدا أدخل في الاستحالة . والخلق : مصدر بمعنى المفعول ، ولكونه مصدرا لم يتبع موصوفه في الجمع . [ 50 - 52 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 50 إلى 52 ] قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ( 52 ) جواب عن قولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [ الإسراء : 49 ] . أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بأن يجيبهم بذلك . وقرينة ذلك مقابلة فعل كُنَّا [ الإسراء : 49 ] في مقالهم بقوله : كُونُوا ، ومقابلة عِظاماً وَرُفاتاً في مقالهم بقوله : حِجارَةً أَوْ حَدِيداً إلخ ، مقابلة أجسام واهية بأجسام صلبة . ومعنى الجواب أن وهن الجسم مساو لصلابته بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى على تكييفه كيف يشاء .