الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
90
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعالى ، وصول الخضوع والاستعطاف والتقرب ، أي لطلبوا ما يوصلهم إلى مرضاته كقوله : يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [ الإسراء : 57 ] . ووجه الاستدلال أنكم جعلتموهم آلهة وقلتم ما نعبدهم إلا ليكونوا شفعاءنا عند اللّه ، فلو كانوا آلهة كما وصفتم إلهيتهم لكانوا لا غنى لهم عن الخضوع إلى اللّه ، وذلك كاف لكم بفساد قولكم ، إذ الإلهية تقتضي عدم الاحتياج فكان مآل قولكم إنهم عباد للّه مكرمون عنده ، وهذا كاف في تفطنكم لفساد القول بإلهيتهم . والابتغاء على هذا ابتغاء محبة ورغبة ، كقوله : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا * [ المزمّل : 19 ] . وقريب من معناه قوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] ، فالسبيل على هذا المعنى مجاز عن التوسل إليه والسعي إلى مرضاته . وقوله : كما تقولون على هذا المعنى تقييد للكون في قوله : لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ أي لو كان معه آلهة حال كونهم كما تقولون ، أي كما تصفون إلهيتهم من قولكم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] . واستحضار الذات العلية بوصف ذِي الْعَرْشِ دون اسمه العلم لما تتضمنه الإضافة إلى العرش من الشأن الجليل الذي هو مثار حسد الآلهة إياه وطمعهم في انتزاع ملكه على المعنى الأول ، أو الذي هو مطمع الآلهة الابتغاء من سعة ما عنده على المعنى الثاني . وقرأ الجمهور كما تقولون بتاء الخطاب على الغالب في حكاية القول المأمور بتبليغه أن يحكى كما يقول المبلغ حين إبلاغه . وقرأه ابن كثير وحفص - بياء الغيبة - على الوجه الآخر في حكاية القول المأمور بإبلاغه للغير أن يحكى بالمعنى . لأن في حال خطاب الآمر المأمور بالتبليغ يكون المبلغ له غائبا وإنما يصير مخاطبا عند التبليغ فإذا لوحظ حاله هذا عبر عنه بطريق الغيبة كما قرئ قوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [ آل عمران : 12 ] - بالتاء وبالياء - أو على أن قوله : كَما يَقُولُونَ اعتراض بين شرط ( لو ) وجوابه . [ 43 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 43 ] سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ( 43 ) إنشاء تنزيه للّه تعالى عما ادعوه من وجود شركاء له في الإلهية .