الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

87

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مزيدة لتوكيد لصوق فعل ( أصفى ) بمفعوله . وأصله : أفأصفى لكم ربكم البنين ، كقوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] ؛ أو ضمّن أصفى معنى آثر فتكون الباء للتعدية دالة على معنى الاختصاص بمجرورها ، فصار ( أصفى ) مع متعلقة بمنزلة فعلين ، أي قصر البنين عليكم دونه ، أي جعل لكم البنين خالصة لا يساويكم هو بأمثالهم ، وجعل لنفسه الإناث التي تكرهونها . وفساد ذلك ظاهر بأدنى نظر فإذا تبين فساده على هذا الوضع فقد تبين انتفاء وقوعه إذ هو غير لائق بجلال اللّه تعالى . وقد تقدم هذا عند قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ في سورة النحل [ 57 ] . وقوله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً في [ النساء : 117 ] . وجملة إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً تقرير لمعنى الإنكار وبيان له ، أي تقولون : اتخذ اللّه الملائكة بنات . وأكد فعل « تقولون » بمصدره تأكيدا لمعنى الإنكار . وجعله مجرد قول لأنه لا يعدو أن يكون كلاما صدر عن غير روية ، لأنه لو تأمله قائله أدنى تأمل لوجده غير داخل تحت قضايا المقبول عقلا . والعظيم : القوي . والمراد هنا أنه عظيم في الفساد والبطلان بقرينة سياق الإنكار . ولا أبلغ في تقبيح قولهم من وصفه بالعظيم ، لأنه قول مدخول من جوانبه لاقتضائه إيثار اللّه بأدون صنفي البنوة مع تخويلهم الصنف الأشرف . ثم ما يقتضيه ذلك من نسبته خصائص الأجسام للّه تعالى من تركيب وتولد واحتياج إلى الأبناء للإعانة وليخلفوا الأصل بعد زواله ، فأي فساد أعظم من هذا . وفي قوله : اتَّخَذَ إيماء إلى فساد آخر ، وهو أنهم يقولون : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * [ البقرة : 116 ] . والاتخاذ يقتضي أنه خلقه ليتخذه ، وذلك ينافي التولد فكيف يلتئم ذلك مع قوله : الملائكة بنات اللّه من سروات الجن ، وكيف يخلق الشيء ثم يكون ابنا له فذلك في البطلان ضغث على إبّالة . [ 41 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 41 ] وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 41 ) لما ذكر فظاعة قولهم بأن الملائكة بنات اللّه أعقب ذلك بأن في القرآن هديا كافيا ، ولكنهم يزدادون نفورا من تدبره . فجملة وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ معترضة مقترنة بواو الاعتراض . والضمير عائد إلى الذين عبدوا الملائكة وزعموهم بنات اللّه .