الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
84
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وعن عمر بن الخطاب : أنه رأى غلاما يتبختر في مشيته فقال له : « إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل اللّه » يعني لأنها يرهب بها العدو إظهارا للقوة على أعداء الدين في الجهاد . وإظهار اسم ( الأرض ) في قوله : لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ دون إضمار ليكون هذا الكلام مستقلا عن غيره جاريا مجرى المثل . [ 38 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 38 ] كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) تذييل للجمل المتقدمة ابتداء من قوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] باعتبار ما اشتملت عليه من التحذيرات والنواهي . فكل جملة فيها أمر هي مقتضية نهيا عن ضده ، وكل جملة فيها نهي هي مقتضية شيئا منهيا عنه ، فقوله : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ يقتضي عبادة مذمومة منهيا عنها ، وقوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] يقتضي إساءة منهيا عنها ، وعلى هذا القياس . وقرأ الجمهور سيئة - بفتح الهمزة بعد المثناة التحتية وبهاء تأنيث في آخره ، وهي ضد الحسنة . فالذي وصف بالسيئة وبأنه مكروه لا يكون إلا منهيا عنه أو مأمورا بضده إذ لا يكون المأمور به مكروها للآمر به ، وبهذا يظهر للسامع معان اسم الإشارة في قوله : كُلُّ ذلِكَ . وإنما اعتبر ما في المذكورات من معاني النهي لأن الأهم هو الإقلاع عما يقتضيه جميعها من المفاسد بالصراحة أو بالالتزام ، لأن درء المفاسد أهم من جلب المصالح في الاعتبار وإن كانا متلازمين في مثل هذا . وقوله : عِنْدَ رَبِّكَ متعلق ب مَكْرُوهاً أي هو مذموم عند اللّه . وتقديم هذا الظرف على متعلقه للاهتمام بالظرف إذ هو مضاف لاسم الجلالة ، فزيادة عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً لتشنيع الحالة ، أي مكروها فعله من فاعله . وفيه تعريض بأن فاعله مكروه عند اللّه . وقرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف كانَ سَيِّئُهُ - بضم الهمزة وبهاء ضمير في آخره - . والضمير عائد إلى كُلُّ ذلِكَ ، و كُلُّ ذلِكَ هو نفس السيئ فإضافة ( سيئ ) إلى ضميره إضافة بيانية تفيد قوة صفة السيئ حتى كأنه شيئان يضاف