الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
77
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا الحكم منوط بالقتل الحادث بين الأشخاص وهو قتل العدوان ، فأما القتل الذي هو لحماية البيضة والذب عن الحوزة ، وهو الجهاد ، فله أحكام أخرى . وبهذا تعلم التوجيه للإتيان بضمير جماعة المخاطبين على ما تقدم في قوله تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] وما عطف عليه من الضمائر . واعلم أن جملة وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً معطوفة على جملة وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ عطف قصة على قصة اهتماما بهذا الحكم بحيث جعل مستقلا ، فعطف على حكم آخر ، وإلا فمقتضى الظاهر أن تكون مفصولة ، إما استئنافا لبيان حكم حالة تكثر ، وإما بدل بعض من جملة إِلَّا بِالْحَقِّ . و ( من ) موصولة مبتدأ مراد بها العموم ، أي وكل الذي يقتل مظلوما . وأدخلت الفاء في جملة خبر المبتدأ لأن الموصول يعامل معاملة الشرط إذا قصد به العموم والربط بينه وبين خبره . وقوله تعالى : فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً هو في المعنى مقدمة للخبر بتعجيل ما يطمئن نفس ولي المقتول . والمقصود من الخبر التفريع بقوله تعالى : فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ، فكان تقديم قوله تعالى : فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً تمهيدا لقبول النهي عن السرف في القتل ، لأنه إذا كان قد جعل له سلطان فقد صار الحكم بيده وكفاه ذلك شفاء لغليله . ومن دلالة الإشارة أن قوله : فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً إشارة إلى إبطال تولي ولي المقتول قتل القاتل دون حكم من السلطان ، لأن ذلك مظنة للخطإ في تحقيق القاتل ، وذريعة لحدوث قتل آخر بالتدافع بين أولياء المقتول وأهل القاتل ، ويجر إلى الإسراف في القتل الذي ما حدث في زمان الجاهلية إلا بمثل هذه الذريعة ، فضمير فَلا يُسْرِفْ عائد إلى « وليه » . وجملة إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً تعليل للكف عن الإسراف في القتل ، والضمير عائد إلى « وليه » . و ( في ) من قوله : فِي الْقَتْلِ للظرفية المجازية ، لأن الإسراف يجول في كسب ومال ونحوه ، فكأنه مظروف في جملة ما جال فيه . ولما رأى بعض المفسرين أن الحكم الذي تضمنته هذه الآية لا يناسب إلا أحوال المسلمين الخالصين استبعد أن تكون الآية نازلة بمكة فزعم أنها مدنية ، وقد بينا وجه