الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

74

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والنفس هنا الذات كقوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] وقوله : أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [ المائدة : 32 ] وقوله : وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [ لقمان : 34 ] . وتطلق النفس على الروح الإنساني وهي النفس الناطقة . والقتل : الإماتة بفعل فاعل ، أي إزالة الحياة عن الذات . وقوله : حَرَّمَ اللَّهُ حذف العائد من الصلة إلى الموصول لأنه ضمير منصوب بفعل الصلة وحذفه كثير . والتقدير : حرمها اللّه . وعلق التحريم بعين النفس ، والمقصود تحريم قتلها . ووصفت النفس بالموصول والصلة بمقتضى كون تحريم قتلها مشهورا من قبل هذا النهي ، إما لأنه تقرر من قبل بآيات أخرى نزلت قبل هذه الآية وقبل آية الأنعام حكما مفرقا وجمعت الأحكام في هذه الآية وآية الأنعام ، وإما لتنزيل الصلة منزلة المعلوم لأنها مما لا ينبغي جهله فيكون تعريضا بأهل الجاهلية الذين كانوا يستخفون بقتل النفس بأنهم جهلوا ما كان عليهم أن يعلموه ، تنويها بهذا الحكم . وذلك أن النظر في خلق هذا العالم يهدي العقول إلى أن اللّه أوجد الإنسان ليعمر به الأرض ، كما قال تعالى : هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [ هود : 61 ] ، فالإقدام على إتلاف نفس هدم لما أراد اللّه بناءه ، على أنه قد تواتر وشاع بين الأمم في سائر العصور والشرائع من عهد آدم صون النفوس من الاعتداء عليها بالإعدام ، فبذلك وصفت بأنها التي حرم اللّه ، أي عرفت بمضمون هذه الصلة . واستثني من عموم النهي القتل المصاحب للحق ، أي الذي يشهد الحق أن نفسا معينة استحقت الإعدام من المجتمع ، وهذا مجمل يفسره في وقت النزول ما هو معروف من أحكام القود على وجه الإجمال . ولما كانت هذه الآيات سيقت مساق التشريع للأمة وإشعارا بأن سيكون في الأمة قضاء وحكم فيما يستقبل أبقي مجملا حتى تفسره الأحكام المستأنفة من بعد ، مثل آية وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً إلى قوله : وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [ النساء : 92 - 93 ] . فالباء في قوله : بِالْحَقِّ للمصاحبة ، وهي متعلّقة بمعنى الاستثناء ، أي إلا قتلا