الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

71

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا * والموت أكرم نزّال على الحرم أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ * وكنت أخشى عليها من أذى الكلم فلتحذير المسلمين من آثار هذه الخواطر ذكروا بتحريم الوأد وما في معناه . وقد كان ذلك في جملة ما تؤخذ عليه بيعة النساء المؤمنات كما في آية سورة الممتحنة . ومن فقرات أهل الجاهلية : دفن البنات . من المكرمات . وكلتا الحالتين من أسباب قتل الأولاد تستلزم الأخرى وإنما التوجيه للمنظور إليه بادئ ذي بدء . الوجه الثاني : فمن أجل هذا الاعتبار في الفرق للوجه الأول قيل هنالك نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ بتقديم ضمير الآباء على ضمير الأولاد ، لأن الإملاق الدافع للوأد المحكي به في آية الأنعام هو إملاق الآباء فقدم الإخبار بأن اللّه هو رازقهم وكمل بأنه رازق بناتهم . وأما الإملاق المحكي في هذه الآية فهو الإملاق المخشي وقوعه . والأكثر أنه توقع إملاق البنات كما رأيت في الأبيات ، فلذلك قدم الإعلام بأن اللّه رازق الأبناء وكمل بأنه رازق آبائهم . وهذا من نكت القرآن . والإملاق : الافتقار . وتقدم الكلام على الوأد عند قوله تعالى : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ في سورة الأنعام [ 137 ] . وجملة نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ معترضة بين المتعاطفات . وجملة إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً تأكيد للنهي وتحذير من الوقوع في المنهي ، وفعل كانَ تأكيد للجملة . والمراد بالأولاد خصوص البنات لأنهن اللاتي كانوا يقتلونهن وأدا ، ولكن عبر عنهن بلفظ الأولاد في هذه الآية ونظائرها لأن البنت يقال لها : ولد . وجرى الضمير على اعتبار اللفظ في قوله نَرْزُقُهُمْ . و ( الخطء ) - بكسر الخاء وسكون الطاء - مصدر خطئ بوزن فرح ، إذا أصاب إثما ، ولا يكون الإثم إلا عن عمد ، قال تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ [ القصص : 8 ] وقال : ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ [ العلق : 16 ] . وأما الخطأ - بفتح الخاء والطاء - فهو ضد العمد . وفعله : أخطأ . واسم الفاعل مخطئ ، قال تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [ الأحزاب : 5 ] . وهذه التفرقة هي سر العربية وعليها المحققون من أئمتها .