الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

69

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التصرف في ذلك المعنى بتمثيل الذي يشح بالمال بالذي غلّت يده إلى عنقه ، أي شدت بالغلّ ، وهو القيد من السير يشد به يد الأسير ، فإذا غلت اليد إلى العنق تعذر التصرف بها فتعطل الانتفاع بها فصار مصدر البذل معطلا فيه ، وبضده مثّل المسرف بباسط يده غاية البسط ونهايته وهو المفاد بقوله : كُلَّ الْبَسْطِ أي البسط كله الذي لا بسط بعده ، وهو معنى النهاية . وقد تقدم من هذا المعنى عند قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ إلى قوله : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ في سورة العقود [ المائدة : 64 ] . هذا قالب البلاغة المصوغة في تلك الحكمة . وقوله : فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً جواب لكلا النهيين على التوزيع بطريقة النشر المرتب ، فالملوم يرجع إلى النهي عن الشح ، والمحسور يرجع إلى النهي عن التبذير ، فإن الشحيح ملوم مذموم . وقد قيل : إن البخيل ملوم حيثما كانا وقال زهير : ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله * على قومه يستغن عنه ويذمم والمحسور : المنهوك القوى . يقال : بعير حسير ، إذا أتعبه السير فلم تبق له قوة ، ومنه قوله تعالى : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ [ الملك : 4 ] ، والمعنى : غير قادر على إقامة شئونك . والخطاب لغير معين . وقد مضى الكلام على « تقعد » آنفا . [ 30 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 30 ] إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) موقع هذه الجملة موقع اعتراض بالتعليل لما تقدم من الأمر بإيتاء ذي القربى والمساكين ، والنهي عن التبذير ، وعن الإمساك المفيد الأمر بالقصد ، بأن هذا واجب الناس في أموالهم وواجبهم نحو قرابتهم وضعفاء عشائرهم ، فعليهم أن يمتثلوا ما أمرهم اللّه من ذلك . وليس الشح بمبق مال الشحيح لنفسه ، ولا التبذير بمغن من يبذر فيهم المال فإن اللّه قدر لكل نفس رزقها . فيجوز أن يكون الكلام جاريا على سنن الخطاب السابق لغير معين . ويجوز أن يكون قد حول الكلام إلى خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم فوجّه بالخطاب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأنه الأولى بعلم هذه الحقائق العالية ، وإن كانت أمته مقصودة بالخطاب تبعا له ، فتكون هذه الوصايا مخللة بالإقبال على خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم .