الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

48

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقسم علم أن الفوز الحق هو فيما بعد هذه الحياة فعمل للآخرة مقتفيا ما هداه اللّه إليه من الأعمال بواسطة رسله وأن اللّه عامل كل فريق بمقدار همته . فمعنى كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ أنه لا يريد إلا العاجلة ، أي دون الدنيا بقرينة مقابلته بقوله : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ لأن هذه المقابلة تقوم مقام الحصر الإضافي إذ ليس الحصر الإضافي سوى جملتين إثبات لشيء ونفي لخلافه . والإتيان بفعل الكون هنا مؤذن بأن ذلك ديدنه وقصارى همه ، ولذلك جعل خبر ( كان ) فعلا مضارعا لدلالته على الاستمرار زيادة تحقيق لتمحض إرادته في ذلك . و الْعاجِلَةَ صفة موصوف محذوف يعلم من السياق ، أي الحياة العاجلة ، كقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها [ هود : 15 ] . والمراد من التعجيل العرفي وهو المبادرة المتعارفة ، أي أن يعطى ذلك في الدنيا قبل الآخرة ، فذلك تعجيل بالنسبة إلى الحياة الدنيا ، وقرينة ذلك قوله : فِيها . وإنما زاد قيدي ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ لأن ما يعطاه من أرادوا العاجلة يعطاه بعضهم بالمقادير التي شاء اللّه إعطاءها . والمشيئة : الطواعية وانتفاء الإكراه . وقوله : لِمَنْ نُرِيدُ بدل من قوله : لَهُ بدل بعض من كل بإعادة العامل ، فضمير لَهُ عائد إلى من باعتبار لفظه ، وهو عام لكل مريد العاجلة فأبدل منه بعضه ، أي عجلنا لمن نريد منكم ، ومفعول الإرادة محذوف دل عليه ما سبقه ، أي لمن نريد التعجيل له ، وهو نظير مفعول المشيئة الذي كثر حذفه لدلالة كلام سابق . وفيه خصوصية البيان بعد الإبهام . ولو كان المقصود غير ذلك لوجب في صناعة الكلام التصريح به . والإرادة : مرادف المشيئة ، فالتعبير بها بعد قوله : ما نَشاءُ تفنن . وإعادة حرف الجر العامل في المبدل منه لتأكيد معنى التبعية وللاستغناء عن الربط بضمير المبدل منهم بأن يقال : من نريد منهم . والمعنى : أن هذا الفريق الذي يريد الحياة الدنيا فقط قد نعطي بعضهم بعض ما يريد على حسب مشيئتنا وإرادتنا لأسباب مختلفة . ولا يخلوا أحد في الدنيا من أن يكون قد عجل له بعض ما يرغبه من لذات الدنيا . وعطف جملة جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ بحرف ( ثم ) لإفادة التراخي الرتبي . و لَهُ ظرف