الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
37
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجاء التعليل لحكمة آية النهار خاصة دون ما يقابلها من حكمة الليل لأن المنة بها أوضح ، ولأن من التنبه إليها يحصل التنبه إلى ضدها وهو حكمة السكون في الليل ، كما قال : لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً * كما تقدم في سورة يونس [ 67 ] . ثم ذكرت حكمة أخرى حاصلة من كلتا الآيتين . وهي حكمة حساب السنين ، وهي في آية الليل أظهر لأن جمهور البشر يضبط الشهور والسنين بالليالي ، أي حساب القمر . والحساب يشمل حساب الأيام والشهور والفصول فعطفه على عَدَدَ السِّنِينَ من عطف العام على الخاص للتعميم بعد ذكر الخاص اهتماما به . وجملة وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا تذييل لقوله : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ باعتبار ما سيق له من الإشارة إلى أن للشر والخير والموعود بهما أجلا ينتهيان إليه . والمعنى : أن ذلك الأجل محدود في علم اللّه تعالى لا يعدوه ، فلا يقرّبه استعجال ولا يؤخره استبطاء لأن اللّه قد جعل لكل شيء قدرا لا إبهام فيه ولا شك عنده . أن للخير وللشر مدى « 1 » * . . . . . فلا تحسبوا ذلك وعدا سدى . والتفصيل : التبيين والتمييز وهو مشتق من الفصل بمعنى القطع لأن التبيين يقتضي عدم التباس الشيء بغيره . وقد تقدم في قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ صدر [ هود : 1 ] . والتفصيل في الأشياء يكون في خلقها ، ونظامها ، وعلم اللّه بها ، وإعلامه بها . فالتفصيل الذي في علم اللّه وفي خلقه ونواميس العوالم عام لكل شيء وهو مقتضى العموم هنا . وأما ما فصله اللّه للناس من الأحكام والأخبار فذلك بعض الأشياء ، ومنه قوله تعالى . يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [ الرعد : 2 ] وقوله : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ الأنعام : 97 ] . وذلك بالتبليغ على السنة الرسل وبما خلق في الناس من إدراك العقول ، ومن جملة ما فصله للناس الإرشاد إلى التوحيد وصالح الأعمال والإنذار على العصيان . وفي هذا تعريض بالتهديد .
--> ( 1 ) صدر بيت وتمامه : « وكلا ذلك وجه وقبل » . وهو لعبد اللّه بن الزبعرى .