الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
29
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بذلك الفعل . وقد تكرر في القرآن ، قال تعالى : وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [ الشعراء : 130 ] وقال : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] . وقوله : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ جاء على طريقة التجريد بأن جعلت نفس المحسن كذات يحسن لها . فاللام - لتعدية فعل أَحْسَنْتُمْ ، يقال : أحسنت لفلان . وكذلك قوله : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها . فقوله : فَلَها متعلق بفعل محذوف بعد فاء الجواب ، تقديره : أسأتم لها . وليس المجرور بظرف مستقر خبرا عن مبتدأ محذوف يدل عليه فعل أَسَأْتُمْ لأنه لو كان كذلك لقال فعليها ، كقوله في سورة فصلت [ 46 ] مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها * . ووجه المخالفة بين أسلوب الآيتين أن آية فصلت ليس فيها تجريد ، إذ التقدير فيها : فعمله لنفسه وإساءته عليه ، فلما كان المقدر اسما كان المجرور بعده مستقرا غير حرف تعدية ، فجرى على ما يقتضيه الإخبار من كون الشيء المخبر عنه نافعا فيخبر عنه بمجرور باللام ، أو ضارا يخبر عنه بمجرور ب ( على ) ، وأما آية الإسراء ففعل « أحسنتم وأسأتم » الواقعان في الجوابين مقتضيان التجريد فجاءا على أصل تعديتهما باللام لا لقصد نفع ولا ضر . فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً تفريع على قوله : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] ، إذ تقدير الكلام فإذا أسأتم وجاء وعد المرة الآخرة . وقد حصل بهذا التفريع إيجاز بديع قضاء لحقّ التقسيم الأول في قوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما [ الإسراء : 5 ] ، ولحقّ إفادة ترتب مجيء وعد الآخرة على الإساءة ، ولو عطف بالواو كما هو مقتضى ظاهر التقسيم إلى مرتين فاتت إفادة الترتب والتفرع . و الْآخِرَةِ صفة لمحذوف دل عليه قوله : مَرَّتَيْنِ ، أي وعد المرة الآخرة . وهذا الكلام من بقية ما قضي في الكتاب بدليل تفريعه بالفاء . والآخرة ضد الأولى . ولا مات « ليسوءوا ، وليدخلوا ، وليتبروا » للتعليل ، وليست للأمر لاتفاق القراءات