الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

23

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وعلوهم مرتين وأن ذلك جزاء إهمالهم وعد اللّه نوحا - عليه السلام - حينما نجاه . وتأكيد كون نوح كانَ عَبْداً شَكُوراً بحرف ( إنّ ) تنزيل لهم منزلة من يجهل ذلك ؛ إما لتوثيق حملهم على الاقتداء به إن كانت الجملة خطابا لبني إسرائيل من تمام الجملة التفسيرية ، وإما لتنزيلهم منزلة من جهل ذلك حتى تورطوا في الفساد فاستأهلوا الاستئصال وذهاب ملكهم ، لينتقل منه إلى التعريض بالمشركين من العرب بأنهم غير مقتدين بنوح لأن مثلهم ومثل بني إسرائيل في هذا السياق واحد في جميع أحوالهم ، فيكون التأكيد منظورا فيه إلى المعنى التعريضي . ومعنى كون نوح عَبْداً أنه معترف للّه بالعبودية غير متكبر بالإشراك ، وكونه شَكُوراً ، أي شديدا لشكر اللّه بامتثال أوامره . وروي أنه كان يكثر حمد اللّه . والاقتداء بصالح الآباء مجبولة عليه النفوس ومحل تنافس عند الأمم بحيث يعد خلاف ذلك كمثير للشك في صحة الانتساب . وكان نوح - عليه السلام - مثلا في كمال النفس وكانت العرب تعرف ذلك وتنبعث على الاقتداء به . قال النابغة : فألفيت الأمانة لم تخنها * كذلك كان نوح لا يخون [ 4 ، 5 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ( 4 ) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ( 5 ) عطف على جملة وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ الإسراء : 2 ] ، أي آتينا موسى الكتاب هدى ، وبينا لبني إسرائيل في الكتاب ما يحل بهم من جراء مخالفة هدي التوراة إعلاما لهذه الأمة بأن اللّه لم يدخر أولئك إرشادا ونصحا ، فالمناسبة ظاهرة . والقضاء بمعنى الحكم وهو التقدير ، ومعنى كونه في الكتاب أن القضاء ذكر في الكتاب ، وتعدية قَضَيْنا بحرف ( إلى ) لتضمين قَضَيْنا معنى ( أبلغنا ) ، أي قضينا وأنهينا ، كقوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ في سورة الحجر [ 66 ] . فيجوز أن يكون المراد ب ( الكتاب ) كتاب التوراة والتعريف للعهد لأنه ذكر الكتاب آنفا ، ويوجد في مواضع ، منها ما هو قريب مما في هذه الآية لكن بإجمال ( انظر الإصحاح 26 والإصحاح